بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

خارج السطر

نهاية فرانسيس فوكوياما

يبدو العالم فى لحظة تاريخية فارقة تتبدل فيها الأفكار، وتتغير القناعات، وتتضارب قوانين التطور، لتسقط نظريات وتفقد عبارات مأثورة زخمها وواقعيتها.

قبل أكثر من ربع قرن من الزمن، كان هناك مفكر محافظ يعمل فى وزارة الخارجية الأمريكية اسمه فرانسيس فوكوياما، وقد سمع يوماً خطاباً لرئيس الاتحاد السوفيتى جورباتشوف يقول فيه: «إن المنافسة هى جوهر الاشتراكية»، ففكر فى العبارة كثيراً لينتهى بأن الليبرالية والديمقراطية صارتا هدف الإنسان فى كل مكان، بغض النظر عن المظلات واللافتات المرفوعة.

وبناءً على ذلك كتب فوكوياما مقالاً فى صحيفة ناشيونال إنتيريست سنة 1989 طرح فيه فكرة مفادها أن التاريخ الكونى انتهى، وأن الديمقراطية الليبرالية بقيمها عن الحرية والفردية والمساواة وحرية السوق أصبحت تمثل نهاية التطور الأيديولوجى للإنسان. ويعنى ذلك أن الغالبية العظمى من البشر صار لديها قناعة تامة بأن الديمقراطية هى الصيغة الأمثل للحكومات، وهى التى ينبغى السعى لها. وسريعاً لاقت المقالة اهتماماً أكاديمياً واسعاً، واستفاضت المحاورات بشأنها، وطور فوكوياما الفكرة ليصدر عام 1992 كتابه الشهير «نهاية التاريخ».

تلقف الناس شرقاً وغرباً طرح فوكوياما، وآمن به كثيرون، وانساق وراءه فلاسفة ومفكرون وأكاديميون. وفى سبيل الديمقراطية انتفضت شعوب، ودُبرت انقلابات، وسقطت حكومات، وأطل مغامرون وثوريون وساسة بشعارات براقة التف حولها بشر من كل لون، يبتغون عدالة غائبة، ويحلمون بحيوات رغدة.

ومن جانبهم حاول الأمريكيون بالقوة المسلحة صناعة قصة نجاح لفكرة نهاية التاريخ فى أفغانستان والعراق، وانتهى بهم المطاف إلى دول مدمرة وحروب أهلية وصراعات دموية مفجعة، وسرعان ما تملصت الإدارات الأمريكية من النموذج الفاشل، وخرجت من التجربة بلوم وتقريع.

فى 2011 وبعد ثمانية عشر عاماً من طرح فوكوياما، هبت رياح التغيير على خريطتنا العربية، واستبشر الناس بانتفاضات شعبية حملت مصطلحاً جميلاً هو «الربيع العربي» زلزل بالفعل حكومات مستبدة قاهرة، استعبدت الناس عقوداً. لكن المؤسف أنها لم ترسم واقعاً طيباً للناس، بل أدت إلى تبدل خرائط الدول، وتفتت الأوطان.

الغريب أن طرح الديمقراطية نفسه كنموذج يُحتذى ومطلب إصلاحى لحيوات البشر اهتز بشدة فى الدول الغربية ذاتها، وربما كان وصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة فى 2018 إشارة واضحة لعدم صلاحية مسار الديمقراطية لصناعة حكم رشيد ومثالى. وإذا كان محللو السياسة قد اعتبروا وقتها صعود ترامب مجرد ارتداد وقتى وحدث استثنائى غير قابل للتكرار، فإن عودة انتخابه مرة أخرى نهاية 2024، وما طرحه من أفكار وسياسات وقلاقل تنذر بصراعات شديدة القتامة، زعزع ثقة العالم فى فكر فوكوياما ونظيراتها تماماً. فالديمقراطية الغربية لم تعد سلماً للوصول إلى الحكم الرشيد، حيث يمكن لأى رأسمالى مخضرم يجيد التعامل فى الأسواق وإدارة الميديا والتأثير فى الجماهير أن يصل إلى الحكم ديمقراطياً، ثم ينقلب عليها وينفرد ويستبد ويمارس هتلرية محدثة. وهذا بعض ما يخيف.

لقد بات واضحاً أن ترامب ابن زمن العولمة، ومنتج الليبرالية الغربية، هو أول خصم لحرية السوق، والعولمة، والحق فى المنافسة، ودولة المؤسسات. وهو النموذج الأكثر شرقية للحاكم الفرد، شديد الاستبداد، الذى يرى نفسه على صواب دائم، وأنه فوق الجميع.

والله أعلم.

[email protected]