كبسولة فلسفية
«فتجنشتين».. الفلسفة مرآة العالم
يبدأ لودفيج فتجنشتين – فيلسوف نمساوي بريطاني (26 إبريل 1889 – 29 إبريل 1951م) – في مؤلفه «رسالة منطقية فلسفية» بتحليل العالم، وذلك لأن تحليل اللغة يعتمد أساسًا على تحليل العالم. واللغة يحللها إلى مجموعة من القضايا الأولية التي يتوقف صدقها أو كذبها على مدى مطابقتها للواقع الخارجي.
ويصف القضية الأولية بأنها وصف لواقعة من الوقائع، لذلك فمن الضروري وجود الوقائع أولًا، والتي يتوقف بناءً عليها صدق القضايا أو كذبها. لأنه إذا كانت القضية الأولية صادقة، كانت الواقعة موجودة، وإذا كانت كاذبة كانت الواقعة الذرية غير موجودة. بالإضافة إلى أن العالم هو مجموع الوقائع الذرية الموجودة. ولكن ما هو دور الفلسفة هنا؟
عزيزي القارئ، إن مهمة الفلسفة مزدوجة، فهي من ناحية لابد لنا أن نتبين أن كل قضية هي صورة الواقعة، وهذا ما لا يمكن أن نقوله أو نعبر عنه بعبارة لغوية، نظرًا لأنه ليس من شأن أية قضية أن تخبرنا بشيء أو أن تقول لنا شيئًا عن نفسها، وأنه ليس في وسعنا أن نخبر بقضية أو قول أو مفهوم كيف يمكن لأية قضية أن تصور الواقع.
وتبعا لذلك فإنه ليس في وسع الفيلسوف أن يعبر بواسطة اللغة عن ذلك العنصر المشترك الذي يقول بوجوده تشابه بين اللغة المنطقية المكتملة من جهة وما تمثله هذه اللغة في الواقع من جهة أخرى، ومثل الفيلسوف هنا كمثل المصور من حيث إنه لا يستطيع أن يقرر شيئًا، بل كل ما نملكه هو أن يظهرنا على ما هو موجود بالفعل. وأما فيما يخص المهمة الثانية للفلسفة، يقرر الفيلسوف أن الفلسفة ليست نظرية كتلك النظريات التي تنطوي عليها العلوم الطبيعية.
ومن ثم فإنها لا تصل في خاتمة المطاف إلى مجموعة من النتائج التي يمكن أن نسميها القضايا الفلسفية، وإنما هي نشاط أو عملية توضيحية نهدف من ورائها إلى حصر الأفكار المختلفة الغامضة. وحين تتحقق الفلسفة من الأجوبة التي تقدمها لأسئلتها، وهي مما لا يمكن التعبير عنه، فإنه لابد لها من أن نفهم عندئذ أنها لم تحسن وضع تلك الأسئلة. وتبعا لذلك، فإن المنهج الصحيح في الفلسفة إنما هو ذلك الذي يحيل سائر القضايا التي يمكن أن يقال عن الأشياء إلى العلماء أنفسهم، على اعتبار أنهم وحدهم الذين يستطيعون أن يتحدثوا عنها. إن قدر الفلاسفة أن يدركوا أن كل مهمتهم هي تحليل (المقال المنطقي) الذي نصطنعه في وصف العالم الخارجي.
إن كلمة "لعالم" عند فتجنشتين غير واضحة ولا محددة تحديدًا يجعلنا على يقين من المعنى الذي يعطيه لهذه الكلمة. هو أحيانًا يفرق بين معنى العالم ومعنى الوجود الخارجي فيقول: "إن جملة الوجود الخارجي هو العالم" وبذلك يجعل مجال الوجود الخارجي هو مجال العالم، ولا يفسر لنا كيف يكون الاثنان شيئًا واحدًا.
وهو أحيانًا يفرق بين معنى العالم ومعنى الوجود الخارجي، فيذهب إلى أن الوجود الخارجي يتكون من (وجود وعدم وجود الوقائع الذرية)، بينما يذهب إلى أن العالم هو مجموع الوقائع الذرية الموجودة. وعلى ذلك، يكون مجال الوجود الخارجي أوسع وأشمل من مجال العالم الذي يقتصر على جزء من مجال الوجود الخارجي، وهو الجزء الخاص بالوقائع الذرية الموجودة.
وهو أحيانًا يستخدم هذه الكلمة ليشير بها إلى عالم ليس هو عالمنا الواقعي، ويتمثل في استخدامه هذه الكلمة في بعض عبارات رسالته مثل (الوقائع في المكان المنطقي هي العالم) بمعنى أن العالم يتكون من وقائع بالإضافة إلى الروابط المنطقية التي تربطها بعضها ببعض، لأن فكرة المكان المنطقي عند فتجنشتين تشير إلى معنى الروابط المنطقية بين الوقائع، وبهذا المعنى لا يكون العالم الذي يقصده هو العالم الخارجي، لأن العالم الخارجي مكون من الوقائع الذرية الموجودة. وهو أحيانًا يستخدم هذه الكلمة ليشير بها إلى العالم الموجود بالفعل، وخاصة في العبارة التي يقول فيها: "إن العالم هو مجموع الوقائع لا الأشياء".
وأخيرًا، وجدنا كيف قدّم لنا فتجنشتين تصورًا للعالم بعين فلسفية بحتة، بعيدة كل البعد عن العلوم الطبيعية، ليس تقليلًا من دور تلك العلوم، بل من أجل إعطاء الفلسفة المكانة التي لابد أن نراها منها. ولنا أن نقول بصوت فتجنشتين في جملة واحدة: "إن الفلسفة هي مرآة العالم".