بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

الزاد

«لجان الدراما».. لا تقدم جديدًا

«بلاش بلطجة وعنف وعاوزين تهذيبًا للحوار الدرامى».. هذا رأى الرئيس ومن هنا نبدأ، حتى تُذكر لجان الدراما.
لم تكن اجتماعات اللجان التى تُعقد تحت عناوين تطوير الدراما المصرية سوى انعكاس لحالة من الحيرة المزمنة تجاه ما يجب فعله لإنقاذ واحدة من أهم أدوات القوى الناعمة فى مصر. الاجتماع الثانى للجنة دراسة التأثيرات الاجتماعية للدراما – رغم النوايا الحسنة والمداخلات المحترمة – لم يخرج عن نطاق الكلام العام، والجمل التى نسمعها كثيرًا ولا تقدم جديدًا يُعتد به فى طريق الإصلاح الجاد.
لقد اتسعت طاولة النقاش للأكاديميين وأصحاب الصفات الإدارية، وضاقت بأهل المهنة الحقيقيين: الكُتّاب، والمخرجين، والمنتجين، والنقاد الذين يعرفون خريطة الصناعة من الداخل. نعم، للعلم مكانه، وللرؤية الاجتماعية والنفسية أهميتها، ولكن الدراما تُصنع بالأدوات الفنية أولًا، ولا يمكن تقويمها من خارجها. كما لا يُطلب من فنان تشكيلى أن يضع استراتيجية الاقتصاد الوطنى، لا يجوز لغير صانع الدراما أن يقودها أو يُفتى فى تفاصيلها.
إن ما شهدناه ليس «اجتماعًا لتطوير الدراما» بقدر ما هو حلقة نقاش مكانها الندوات العامة. جلسة أخرى تُضاف إلى سلسلة الاجتماعات التى لا تُنتج شيئًا، لأن أصحاب القرار فيها ليسوا من أهل المهنة. لا أحد تطرق إلى آليات الإنتاج، ولا إلى مستوى الحوار، ولا إلى اختلال سوق العرض، ولا إلى اختيار دقيق للكتاب الجدد، وعدم إقصاء الكبار، صناع الدراما الحقيقيين، ولا إلى آليات العمل مع المنصات الرقمية التى أصبحت هى شاشة الجيل الجديد.
بينما تتسابق دول عربية على تأسيس كيانات إنتاجية عملاقة، وتنفق على دراما قوية تنافس عالميًا، نجلس نحن فى دوائر مغلقة لنكرر كلامًا نظريًا مفرغًا من المضمون. نملك مواهب فذة، وتجارب تاريخية نادرة، لكننا نقتلها كل يوم بالبيروقراطية، والتردد، وعدم الاعتراف بأن من لا يملك أدوات الفن لا يجوز له أن يقود صناعته.
الإشارة التى أطلقها فخامة رئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسى حين تحدث عن انتشار العنف والبلطجة فى الأعمال الدرامية، لم تكن خطابًا عابرًا. لقد عكست وعيًا رئاسيًا بحجم الخطر الذى يواجه الوعى الجمعى، خاصة عند الأجيال الجديدة. ومع ذلك، جاءت ردود الفعل – ومنها اجتماعات اللجان الأخيرة – أقل بكثير من خطورة الموقف. تكرار الحديث عن «الضوابط» و«القيم» و«الهوية» لا يصنع دراما، ما لم يكن مرتبطًا بمفرداتها الأساسية: السيناريو، الحوار، البناء، الإنتاج، والرؤية الإخراجية.
فى الاجتماع الأخير، كانت هناك ثلاثة مداخلات فقط تستحق الوقوف عندها، لأنها خرجت من قلب المهنة. الأولى للمخرج خالد جلال، الذى أكد على ضرورة اكتمال النص قبل التصوير، باعتبار ذلك أبسط قواعد الاحتراف. الثانية للناقد طارق الشناوى، الذى تحدث بجرأة عن ضرورة مواجهة الأسئلة الصعبة بدلًا من الهروب منها، ورفض الخطاب الوعظى المباشر. والثالثة للسيناريست القدير عبدالرحيم كمال، الذى عبّر برؤية فنية صافية عن طبيعة الدراما بوصفها حالة وجدانية شاملة، لا مجرد أداة تلقين.
هذه الأصوات كانت النور القليل وسط ضباب من التنظير البعيد عن الواقع. لم نسمع عن خطة لإعادة تدريب الكُتّاب الجدد، ولا عن تصور للتعامل مع المنصات الرقمية التى صارت الشاشة الأولى للمشاهد العربى. لم يطرح أحد سؤالًا جوهريًا عن اختلال سوق العرض، أو غياب الرؤية الإنتاجية الممتدة، أو ضياع موسم الدراما خارج رمضان. بينما تتحرك دول عربية لتأسيس كيانات إنتاجية ضخمة، نجلس نحن فى دوائر بيروقراطية نكرر كلامًا مفرغًا لا يُنتج عملًا واحدًا جيدًا.
ما تحتاجه مصر اليوم ليس لجنة من عشرين شخصًا من تخصصات متفرقة، بل مجلس مهنى حقيقى، مستقل، يضم أعمدة المهنة ممن كتبوا، وأخرجوا، وأنتجوا، وصنعوا تاريخ الدراما المصرية. مجلس يضع خطة استراتيجية شاملة، تتعامل مع الدراما كصناعة وليس كمناسبة موسمية، ويؤمن بأن تطوير الحوار لا يعنى تزييف الواقع، وأن تهذيب المشاهد لا يعنى تقديم نسخة معقمة من المجتمع.
الدراما الهادفة ليست دراما دعوية، بل دراما راقية، تُعيد صياغة الدراما فى قالب إنسانى وفنى، كما فعل عمالقة مثل أسامة أنور عكاشة، ومحفوظ عبدالرحمن، ومحمد جلال عبدالقوى ومحمد صفاء عامر، ويسرى الجندى، وبشير الديك. هؤلاء لم يجمّلوا الواقع، لكنهم قدّموه بصدق، وأثروا فى الناس دون أن يرفعوا أصابع الاتهام.
ما نراه الآن من محاولات إصلاح سيبقى قاصرًا، ما لم يُسترد القرار الدرامى لأهله. لن تُبنى دراما جديدة إلا بأيدى صناعها، ولن تُعاد ريادة مصر إلا إذا قاد أصحاب الحرفة دفتها من جديد، بعيدًا عن المكاتب المغلقة والكلمات المعلبة.
لقد آن الأوان أن نعترف: الدراما فى خطر، ولا يملك مفاتيح نجاتها إلا من عاشوها وكتبوا سطور مجدها. أما الآخرون، فدورهم الاستشارى فقط… لا أكثر.
الدراما المصرية اليوم تحتاج إلى قرار شجاع: أن تعود إلى أهلها. وأن يُعترف بأن كل ما يُقال خارج المنظومة الفنية هو مجرد صدى لا يُنتج عملًا، ولا يصنع وعيًا. والحق أن الدراما ليست فى أزمة «أخلاق» فقط، بل فى أزمة «فكر وتنفيذ»، ولا يملك مفاتيح حلّها سوى أولئك الذين عشقوها وأبدعوا فيها وعاشوا تفاصيلها، لا أولئك الذين يراقبونها من نوافذ نظرياتهم الجافة.
كفى تنظيرًا. حان الوقت أن نسترد قرارنا الدرامى، وإلا فلن يبقى من دراما مصر سوى أرشيف يُبكى ولا يُبهر أو نعيش بقايا الماضى.