بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

التقليد الأعمى وفقدان الهوية

"الموضة وسنينها"


في زمن أصبح يسوده التسارع البصري، وتغوّل ثقافة "التريند"، باتت الموضة أكثر من مجرد اختيار شخصي أو ذوق فردي؛ بل تحولت كأداة للانتماء للهروب من السؤال الأهم:
"هل ما أرتديه يعبر عني أم عن غيري؟"
نشهد اليوم حالة متكررة من التقليد الأعمى للموضات الغربية، في الملابس، والعُري والتاتوهات على الجسد وارتداء بعض الفنانين ما يخص النساء مثل الحلق والأسورة والعقد والخلخال، وتسريحات شعر غريبة، بل وحتى في أسلوب الحديث وتعبيرات الجسد. لا بأس بالتجديد والانفتاح، ولا ضير في الاطلاع على ما هو جديد عالميًا، لكن ما يستحق التوقف عنده هو هذا الانزلاق الجماعي نحو ما لا يناسبنا، لا شكلاً، ولا مضمونًا، ولا ذوقًا، ولا ثقافةً.
ليست المشكلة في الموضة، بل في غياب التمييز. حين تُصبح قطعة الملابس صادمةً، أو سلوكًا شاذًا عن السياق الاجتماعي، أو افتعالًا غير مبرر للاختلاف، فإن الأمر لا يعود تعبيرًا عن الذات، بل خضوعًا لصوت خارجي يفرض عليك أن "تكون مثلهم"، حتى لو لم تكن.
في مجتمعاتنا الشرقية، التي لا تزال تحافظ على بُعدها القيمي والأسري، تظل هناك خطوط واضحة بين الذوق والتجاوز، بين التعبير والتقليد! فليس من العقل ولا من الرصانة أن نتبنى أنماطًا مستوردة بالكامل دون مراعاة لخصوصيتنا البيئية، والثقافية، والدينية.
نرى اليوم شبابًا يرتدون ملابس ممزقة بلا معنى، أو بذلات رسمية بأسلوب ساخر أو غير لائق، أو تصفيفات شعر غريبة على بيئتنا الشرقية، ليس لأنهم وجدوا في تلك الأشكال تعبيرًا صادقًا عن ذواتهم، بل لأنهم أرادوا أن "يلحقوا بالركب"، ولو فقدوا توازنهم على الطريق.
الموضة ليست عدوًا، لكنها ليست إلهًا يجب عبادته واتباعه!
الموضة يمكن أن تكون إبداعًا، يمكن أن تكون وسيلة لتجديد الصورة، وفتح نوافذ جديدة في التعبير الشخصي، لكنها حين تتحول إلى "نسخ ولصق" بلا روح، تُصبح أداة مُسطّحة، تسحب الفرد من ذاته، وتجعله مجرد ظل لغيره.
ليس مطلوبًا منا أن نُغلق أبوابنا على أنفسنا، ولكن الأجدر بنا أن نفتح نوافذنا بوعي، أن ننتقي من العالم ما يناسبنا، لا ما يفرضه علينا، أن نجعل الموضة تخدمنا، لا أن نخدمها.
أعتقد أنه آن الأوان رغم تأخره وفي زمن الصور السريعة والحُكم المسبق على المظهر، يجب علينا أن نُعيد الاعتبار لمفهوم "الذوق"، بوصفه خيارًا نابعًا من هويتنا، لا مجرد استجابة لتيار خارجي مختلف عن مجتمعنا وبيئتنا شكلاً وموضوعًا.
فالموضة ليست مرآة لمن نكون، إلا إذا نظرنا فيها نحن، لا غيرنا.

كاتب وباحث سياسي وثقافي واجتماعي