ﻟﺘﻬﺠﻴﺮ اﻟﻘﺴﺮي ﻣﺨﺎﻟﻒ ﻟﻘﻮاﻋﺪ اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﺪوﻟﻲ
لم ولن تؤمن حكومة إسرائيل يومًا ما «بعملية السلام»، بسبب أعمالها العدوانية على أهالى غزة الأبرياء، التى طبعت صور رؤيتها غضب ضمير البشرية جمعاء، حتى تكون دافعًا لتهجيرهم قسرًا وتصبح خاليةً من سكانها، وأيضًا بسبب غاراتها على جيرانها العرب، بتوغلها برًا داخل الأراضى السورية، وقصفها للجنوب اللبناني وكل هذه الأعمال العدوانية ما تزال دائرةً، وأصبح العالم ومنظماته الأممية غير قادرين على كبح جماحها فى توقف هذه العمليات العسكرية، لأن هناك غرضًا مقصودًا فى ذات المخطط من استمرارية خضم معاركها البشعة، لتحقيق أغراضٍ واطماعٍ إسرائيليةٍ توسعيةٍ، بضمها المزيد من الأراضى العربية، وتكون أولى طلائعها تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، وإذا وضحت نيتهم وقاموا بهذه الجريمة، تكون بذلك إسرائيل ومن يساندها، قد خرجوا عن الشرعية الدولية، ودون أي اعتبارٍ لقواعد القانون الدولي الإنساني، أو حتى الرأي العام العالمي.
ثم نأتى إلى الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، الذى صدم العالم بطلبه بأن تستقبل مصر والأردن شعب غزة على أراضيهما، من أجل نزع ملكية القطاع من أرض فلسطين المحتلة، وضمها إلى المنافع الأمريكية، تمهيدًا بجعل ساحلها «ريفييرا الشرق الأوسط» حسب تصريحه المثير للجدل، والذى يجرى على هواه، بإنكاره أصل وجود استقلال الدول وانتقاصًا من سيادتها، وجعل نفسه سيدًا مطلقًا على العالم وجعله ملكيةً فرديةً خص بها نفسه، مخالفًا مبادئ وقواعد القانون الدولي، وشرعيته المنظمة للمعاهدات والمواثيق الدولية، وأيضًا تهديده بالتآمر ضد تغيير أنظمة الحكم فى أي دولةٍ لا تخضع أو تتعهد باتباع سياسته وباستقلالية رأيه الأوحد، معتقدًا فى نفسه أن العالم ليس له رأي ملائم لرأيه، وهذا ما يعتقده ويراه من وجهة نظره، التى يقف بها ضد إرادة العالم ورغباته بكل قوةٍ.
وبعد كل هذا التجاوز للإدارة الأمريكية، وتحيزها المحابى لإسرائيل ودعمها عسكريًا وسياسيًا وإعلاميًا بتسخير كل قوتها الناعمة لها، وأيضًا اقتصادًا مبنيًا ومستندًا على دعمٍ أمريكيٍ بغير حسابٍ، كل هذه الإمكانيات المتاحة تستخدم فى إرضاء إسرائيل، التى تفرض حصارًا على أهالى القطاع، مع استمرارية حجب المساعدات الغذائية والإنسانية ومنع دخولها إليهم، حتى ضرب الجوع والعطش سكان القطاع كله، مع وجود نقصٍ حادٍ فى المستلزمات الطبية والأدوية، ومن هذا نقول إن هذه الأفعال المجرمة دوليًا مخالفة لعرفية القانون الدولي واعتداء صريح عليه، وقد أثرت الثقة فى صلاحية الولايات المتحدة الأمريكية، كدولةٍ عظمى فى قيادتها للعالم، أو تصون السلم والأمن الدوليين، بعد أن تزعزع الإيمان فى مبادئها وصار لها نفوذ واطماع فى المنطقة، بل أصبحت أشد خطرًا عليها، بعد فشلها وعجزها عن وقف العدوان المستمر على الشعب الفلسطيني الأعزل، وتهيئة القطاع لاحتلالٍ إسرائيليٍ ونزوح الفلسطينيين من وطنهم الذى يعيشون فيه، ثم أيضًا صمتها عن الانتهاكات الإسرائيلية لاقتحام المسجد الأقصى الشريف، وتأجيج مشاعر المسلمين فى العالم كله، بعد اقتحامه من قبل وزير الأمن القومي الإسرائيلي، لهذه البقعة الطاهرة المقدسة الشريفة رمز السلام والوئام للبشرية جمعاء.
ولكن المتتبع الحصيف لما يطرحه «ترامب»، من إعادة توطين سكان غزة على أرض «مصر والأردن»، ليس بتذرعه بأن مناطق القطاع، أصبحت الحياة صعبةً للعيش فيها بسبب ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية، ولكن نفطن بذهنٍ بصيرٍ ثاقبٍ، بأنه يريد هذه البقعة الساحلية مستعمرةً أمريكيةً، لإقامة المشروعات الاستراتيجية التى تخدم مصالح أمريكا وإسرائيل، إلا أن الرأي الحكيم المتعقل للقيادة السياسية فى «مصر والأردن»، هو الرفض التام لهذا التهجير علنًا، ولا يزال موقفهما ثابتًا تمامًا، لم ولن يتغير نحو هذا الرفض المطلق، مع تأييدٍ ومساندةٍ شعبيةٍ رافضةٍ له، لأن وجود وطن بديل للفلسطينيين على أرض «سيناء»، هو تصفية لقضيتهم وتجريدهم عن كل حقوقهم المشروعة، وأيضًا هذه الفكرة الخاطئة قد تسبب خطرًا وضررًا يهدد مستقبل عملية السلام بين مصر وإسرائيل، لأن من الممكن أن يتسرب إلى هؤلاء النازحين عناصر خطرة تمس أمن إسرائيل، بالطبع سوف يتغير مجرى الأمور تغيرًا خطيرًا نحو عملية السلام، وتتسع خطورة الوضع إلى مدى بعيدٍ قد يفضى إلى ما لا يحمد عقباه، ثم أن ليس من حق أي دولةٍ فى العالم مهما كانت قوتها، أن تتدخل فى شئوننا الداخلية وتطرح علينا أو تفرض تهجير أبناء الشعب الفلسطيني إلى وطننا، سواءً كان هذا التهجير «طوعًا أو قسرًا»، لأننا دولة ذات سيادةٍ ومسئولة عن أعمالها قانونًا، ولها الحرية فى تصريف شئونها والفصل فيها، ولن نوافق على تغييراتٍ أو تعديلاتٍ فى حدودنا السياسية، تحت أي مسمىً من صور التهجير حتى لو كان مؤقتًا، وتجنبًا لإثارة أي منازعاتٍ أو تصرفاتٍ قد تسبب الإخلال بالسيادة الوطنية أو الأمن القومي المصري، كان التحرك المصري الذى يستند إلى سياسة التصرف الحكيم، والمطابق لرأي ورغبات شعب مصر العظيم، برفضه التهجير القسري للفلسطينيين لأنه عمل غير مشروعٍ، وفيه إهدار لمبدأ المشروعية الدولية وتهديد لكيان الدولة المصرية، وعلى هذا فقد قطعت مصر الطريق أمام قرار الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، ألا ينال أمنيته أو ينفذ عزمه وتم إجهاض مخططه، حتى أصبحت صفقة القرن حلمًا صعب المنال، وإن أهم ما تصبو إليه القيادة السياسية، هو وقف العدوان الإسرائيلي المستمر على السكان الأبرياء، وتحقيق السلام الشامل العادل فى المنطقة وإقامة الدولتين، وإعادة إعمار غزة، ورفع الحصار عنها ووصول المساعدات الإنسانية للأهالى، الذين أبلى الله فيهم بلاءً حسنًا، فى إظهارهم البأس الحق والشجاعة والصبر والقوة وحبهم لوطنهم، ومن المستحيل أن يتركوه أبدًا.