كنوز الوطن
الأهراماتُ ليست قاعةَ أفراحٍ!
من الصعبِ أنْ يمرَّ مشهدُ إقامةِ حفلاتٍ وأفراحٍ عندَ منطقةِ الأهراماتِ مرورَ الكرامِ دونَ أنْ يُثيرَ فى النفسِ الغضبَ والأسى، فحينَ تتحولُ واحدةٌ من أعظمِ المعالمِ الأثريةِ فى العالمِ إلى منصةِ زفافٍ وموسيقى صاخبةٍ، نصبحُ فعليًّا أمامَ مشهدٍ عبثيٍّ لا يليقُ بمكانةِ مصرَ ولا بتاريخِها الممتدِّ لآلافِ السنينَ.
من الذى سمحَ؟ بأيِّ منطقٍ؟ كيفَ تُمنحُ شركةٌ خاصةٌ حقَّ تحويلِ منطقةِ الأهراماتِ إلى ساحةِ احتفالاتٍ وكأنها مجردُ موقعٍ سياحيٍّ عابرٍ بلا قيمةٍ حضاريةٍ أو أثريةٍ؟ نحنُ لا نتحدثُ عن صخرةٍ أو تمثالٍ على جانبِ الطريقِ، نحنُ نتحدثُ عن رمزِ حضارةٍ، عن أثرٍ عالميٍّ تتسابقُ الأممُ لحمايتهِ ونحنُ نستهينُ بهِ.
الدولُ التى لا يتجاوزُ عمرُ تاريخِها المئتى عامٍ تُغلقُ مواقعَها التاريخيةَ بالسياجِ، وتضعُ لافتاتِ «ممنوع الاقترابِ»، وتسنُّ قوانينَ صارمةً لحمايتها.. هذه دولٌ حديثةُ العهدِ بالتاريخِ، لكنَّها تفهمُ قيمتَهُ وتعى دوره فى تشكيلِ الهويةِ الوطنيةِ. فكيفَ بدولةٍ كمصرَ، صاحبةِ التاريخِ الأقدمِ، تتعاملُ مع آثارِها بهذا الشكلِ السطحيِّ والمُستهترِ؟
أفهمُ تمامًا أهميةَ الترويجِ السياحيِّ، وأتفهمُ أيضًا أنَّ جذبَ الزوارِ والمستثمرينَ هدفٌ ضروريٌّ فى وقتِنا الراهنِ.. لكنَّ هذا لا يعنى أنْ نبيعَ كرامةَ آثارِنا أو نفرّطَ فى احترامِها. الترويجُ لا يكونُ بالتفريطِ، بل بالحفاظِ على القيمةِ، وبتقديمِ التاريخِ فى صورتِهِ الأرقى، لا الأرخصِ.
الأهراماتُ ليستْ قاعةَ أفراحٍ.. ليستْ خلفيةً مناسبةً لـDJ وراقصينَ وضجيجٍ لا يليقُ بالمكانِ ولا بروحِ الحضارةِ التى شيّدتْهُ. نحنُ نملكُ آثارًا تعجزُ الكلماتُ عن وصفِ عظمتِها، فهل يُعقلُ أنْ يكونَ أقصى طموحِنا استخدامَها كـ «ديكورٍ» لحفلةِ زفافٍ؟
نحتاجُ إلى وقفةٍ.. نحتاجُ إلى صوتٍ عاقلٍ من داخلِ الجهاتِ الرسميةِ يُعيدُ الأمورَ إلى نصابِها. نحتاجُ إلى قرارٍ واضحٍ بأنَّ مناطقَنا الأثريةَ، وعلى رأسِها الأهراماتُ، ليستْ للإيجارِ ولا للعرضِ. هذا تاريخُنا، وكرامتُهُ من كرامتِنا.