بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

نبض الكلمات

انتخابات "الصحفيين" معركة البقاء والإنقاذ

ساعات وتبدأ معركة جديدة تتجدد بعد كل عامين، انتخابات التجديد النصفي لنقابة الصحفيين على مقعد النقيب و٦ أعضاء مجلس النقابة، وسط ضبابية المشهد وذهول أعضاء المهنة التي أصابها التصدع، وتنكيس للأقلام. أغرب انتخابات بعد تأجيلها ٤ مرات سابقة لعدم اكتمال النصاب القانوني اللازم لانعقادها في المرات السابقة بحضور ٢٥٪ من الأعضاء المشتغلين، وصفت بأطول انتخابات مرت على نقابة الصحفيين، فلم تعد التحديات التي تواجه الصحافة المصرية اليوم مجرد قضايا مهنية أو اقتصادية عابرة، بل أصبحت تهدد الوجود الحقيقي لهذه المهنة العريقة. فالصحافة، التي طالما شكلت ضمير الأمة وسلطة رقابية مستقلة، تجد نفسها الآن في مفترق طرق خطير، وسط تغيرات سياسية واجتماعية وتكنولوجية خطيرة.

بل تواجه أعباء وتحديات بدأت بالأزمة الاقتصادية التي تراكمت منذ تعويم الجنيه على أسعار الورق وأحبار الطباعة وعمّت معه، في ظل منافسة شرسة وغير شريفة بل ومسمومة من وسائل الإعلام الافتراضية والفضائيات الموجهة، وأبواق مشبوهة والتي تستهدف بالدرجة الأولى القضاء على المهنية وما يتبعها من عدم الالتزام بمواثيق شرف المهنة، حتى إن تعرضت المهنة إلى كبوة كبيرة، بحاجة ماسة إلى ضمائر يقظة لإحياء شرف الكلمة الحرة من جديد، على أن تكون هناك رغبة وإرادة قوية بعفو النظام بإعطاء مساحة لحرية الصحافة وعودة سلم النقابة، الذي كان قبلة الحياة لأهل المظالم لكل طوائف المجتمع. معركة شرسة للغاية تواجه هذا الكيان الأخلاقي الذي يمس قلب وضمير الأمة أولًا.. ومخطئ من تسول له نفسه أنها مثل سابقاتها من معارك الصحفيين، فإما نكون أو لا نكون، إما يسترد الصحفي كرامته أو المزيد من إهدار هذه الكرامة التي أصبحت في الوحل.

الجماعة الصحفية في أزمة بل في مأزق كبير قد تصل إلى المحنة الكبرى لها في سابقة لم تحدث في التاريخ.. وهو ما كان له انعكاس كبير على الشارع والمهنة، ومصداقية حرية التعبير التي تحولت إلى شعارات كاذبة على الورق فقط، أزمة تهدد مستقبل الصحافة والصحفيين بالخطر في ظل تصاعد الأزمات أيضًا الاقتصادية التي تمر بها الدولة وتسببت في إغلاق العديد من الصحف وتشريد صحفيين إلى جانب تدني الأجور، لذلك كان وما زال بدل التكنولوجيا المخرج الوحيد لحل هذه الأزمة، والورقة الرابحة للسيطرة على قلوب الجمعية العمومية التي أصبحت أكبر أمنياتها الحصول على المزيد من "بدل التكنولوجيا"، الورقة الرابحة التي تلوح بها الحكومة لمرشحها المفضل دائمًا ليلعب دورًا محوريًا، حيث يستخدم كأداة للتأثير على توجهات الناخبين، لكن الواقع كشف عن استخدامه كأداة ضغط سياسي وانتخابي. فمع كل انتخابات يتسابق المرشحون على تقديم وعود بزيادة قيمة البدل، أو التلميح بعلاقاتهم القوية بالرغمانة حق مكتسب بقرار من القضاء الإداري، غالبًا ما تستخدم وعود لاستمالة الكتلة التصويتية الأكبر داخل النقابة.

ولضمان نزاهة الانتخابات واستقلالية النقابة، الأهم إعادة النظر في آليات صرف البدل وتحديده بشكل يضمن حقوق الصحفيين دون التأثير على قراراتهم الانتخابية، في ظل تدني مستوى المعيشة لهم، غالبًا لم نشعر بأي جديد إلا المزيد من الحوكمة على مفاصل النقابة الأبية، ورحلة البحث والمعاناة عن صادق النية تتجدد دائمًا عند كل انتخابات للنقابة والذي يأخذ بيدها ويقيلها من عثرتها وكبوتها.. وهو ما يستوجب بالضرورة دعمًا لمدخلات صناعة الصحافة بشكل عام حيث بات الحفاظ عليها جزءًا من الحفاظ على عقل الأمة وكيانها واحترام أيضًا فكر رجل الشارع الذي يعتبر الصحافة المنبر القوي للحريات والتعبير عن هموم ومشاكل رجل الشارع الحقيقية.. والذي يجب ألا يقل عن دعم أي شيء آخر.

النقابة في أزمة حقيقية، أزمة ضمير أولًا ومصداقية واحترام عقل وقلب رجل الشارع.. فتحرير النقابة يبدأ بالقضاء على سيطرة وسطوة المجموعات المسيسة.. والحق الأكيد والمهم في قانون حقيقي لحرية تداول المعلومات دون أي تكبيل أو تكميم أفواه الصحفيين بملاحقات قضائية لتهريب وكسر شوكة الأقلام الحرة، لا نكتفي بنصوص هائمة على وجهها، نصوص صماء تصيب روح الصحافة بالعطش، بل ومعها نصوص تفرض العقوبات على من يحجبها، ومواثيق شرف بلا شرف ليست نابعة من داخل المهنة لكي تحفظ للمهني حقه، وتحمي المجتمع وكرامة المهنة من أي تجاوز ينال من مصداقية الصحفي وكل ذلك وأكثر لمعاناة مستمرة لمهنة السلطة الرابعة، ملفات شائكة تحتاج إلى حلول جذرية لا يقدر عليها إلا رجل نقابي جريء... فارس للكلمة بمعنى قوة الكلمة، متوازن في علاقاته يقدر قيمة المهنية صاحب ضمير حي يقظ.. كذلك مجلس نقابي حر عفيف بعيد عن أي مصلحة.. بعيدًا عن المواربة مع أجهزة الدولة التي تحاول جاهدة حكم قبضتها على صاحبة الجلالة، ومجهود جبار في إحياء روح ورونق المهنة من خلال تنقية أجواء الوجوه الصحفية ولا ينتسب للمهنة إلا الصحفي القوي الجاد الملتزم بقواعد وقمم المهنية، لتكون الصحافة مهنة للمبدعين والحالمين، ممن يجدون في الكتابة ملاذًا ومأوى وضميرًا يقظًا يعبرون من خلاله عن أحلام وآمال وأوجاع رجل الشارع... ليست فقط مهنة البحث عن المتاعب بل البحث عن الضمائر الحية والصادقة بين جنبات المجتمع في المنابر الإعلامية، وكيفية تطويع هذه المهنة في فرض هيبتها على أجهزة الدولة.

للأسف السنوات الأخيرة تحولت مهنة الصحافة إلى سوق إعلامي كبير بل "سويقة" لكل من هب ودب أصبح صحفيًّا... وأصبحت مهنة الإعلامي ومدعيها لمن لا مهنة له "سداح مداح" وما أكثرهم على السوشيال ميديا التي أصبحت تنافس المجتمع الإعلامي في نشر أخبار كاذبة مضللة الهدف منها التسويف والسب والقذف، فئة نصابة، فئة ضالة، لا مهنة لهم، ليس لهم أي مقومات أو فكر أو ثقافة حتى أدنى وأبسط أصول المهنة يتاجرون بكلمة صحفي أو إعلامي على صفحاتهم الشخصية بالخداع والتدليس من أجل تحقيق مآرب شخصية.. واللعب على أوتار البسطاء وعشاق المهنة الأمر الذي أدى إلى فوضى عارمة من الضلال والتضليل.. بعيدًا طبعًا عن رقابة الأجهزة وقوانين نقابة الصحفيين والإعلاميين التي تعاقب انتحال صفة صحفي أو إعلامي، رغم الحصار، ورغم محاولات الترويض، تظل الصحافة المصرية — كانت وستبقى — ضمير هذه الأمة الحي، النبض الذي لا يكف عن الدفاع عن حق الناس في المعرفة، والصوت الذي، مهما خُنق، لا يلبث أن يعود أعلى وأقوى.

منذ نشأتها، لم تكن الصحافة في مصر مجرد مهنة، بل كانت وستظل رسالة مقاومة ضد الاستبداد، ضد الجهل، وضد كل من يحاول أن يحجب الحقيقة عن الناس. كانت هي التي تضيء الطريق في أحلك اللحظات، تزرع الأمل في زمن الإحباط، وتدفع الشعوب إلى النهوض حين يحاول البعض أن يُرهبها بالصمت أو التضليل، الصحافة المصرية قادرة على أن تنهض من تحت الرماد، كما فعلت عبر تاريخها الطويل، حين كانت مشاعل التنوير في وجه الاحتلال، وصوت الجماهير في معارك الحرية والكرامة.

رئيس لجنة المرأة بالقليوبية وسكرتير عام اتحاد المرأة الوفدية

[email protected]