يا خبرَ!
سموتريتشُ الكذَّابُ قالَ الحقيقةَ!
فى تصريحٍ أثارَ جدلًا واسعًا مؤخرًا، أعلنَ وزيرُ الماليةِ الإسرائيليُّ اليمينيُّ المتطرفُ بتسلئيلُ سموتريتشَ، أنَّ إعادةَ الأسرى الإسرائيليينَ من غزةَ ليستْ أولويةً قصوى، مشددًا على ضرورةِ ما وصفَهُ بـ«قولِ الحقيقةِ» وعدمِ خداعِ الجمهورِ، وأكدَ سموتريتشُ أنَّ الهدفَ الأهمَّ فى نظرِهِ هو القضاءُ على حركةِ حماسَ، رافضًا الدعواتِ الإسرائيليةَ المتزايدةَ لإبرامِ صفقةِ تبادلِ أسرى مع الحركةِ ووقفِ الحربِ على غزةَ، من أجلِ إعادةِ 59 أسيرًا إسرائيليًا، بينهم 24 يُعتقدُ أنهم أحياءٌ.
سبقَ وكتبتُ أنَّ حكومةَ نتنياهو لا تكترثُ لشأنِ أسراها، ولا يعنيها غيرُ بقائِها السياسيِّ عبرَ تنفيذِ مخططٍ أكثرَ شمولًا وقِدَمًا من أحداثِ السابعِ من أكتوبر 2023، صحيحٌ أنَّ إسرائيلَ استغلتِ السابعَ من أكتوبرَ أسوأَ استغلالٍ، لكنْ حتى لو لم تكنْ هذه الأحداثُ قد وقعتْ بالفعلِ، فليسَ معنى هذا أنَّ إسرائيلَ لم تكنْ لتمضيَ فى مخططِها، فهى تتصرفُ وفقَ أجندةٍ خاصةٍ تستهدفُ تدميرَ الوجودِ الفلسطينيِّ فى أرضِهِ وليسَ -تدميرَ حماسَ كما تزعمُ- حكومةُ الاحتلالِ خططتْ من قبلِ السابعِ من أكتوبرَ لتغييرِ الوضعِ التاريخيِّ والسياسيِّ فى أرضِ فلسطينَ التاريخيةِ، بمعنى إجهاضِ حلمِ الدولةِ الفلسطينيةِ وتحويلِ القضيةِ الفلسطينيةِ إلى قضيةٍ ذاتِ بُعدٍ أمنيٍّ وإنسانيٍّ واقتصاديٍّ فقطْ بعيدًا عن البعدِ السياسيِّ للقضيةِ.
كلُّ ما اقترفتْهُ وتقترفُهُ حكومةُ الاحتلالِ من جرائمَ فى غزةَ والضفةِ الغربيةِ ومُدنِها وبلداتِها، منذُ السابعِ من أكتوبر 2023 وحتى الآنَ الهدفُ منهُ محوُ الوجودِ الفلسطينيِّ وإجبارُ الفلسطينيينَ على التهجيرِ من أرضِهم أو بنسبةٍ أقلَّ تقليلُ نسبةِ السكانِ فى أرضِ فلسطينَ التاريخيةِ إلى أقلِّ نسبةٍ ممكنةٍ، ومن ثمَّ إعادةُ احتلالِ قطاعِ غزةَ.
أهدافُ نتنياهو المعلنةُ من الحربِ فى غزةَ والمثيرةُ للسخريةِ من عينةِ «النصرِ الكاملِ» على حماسَ وإعادةُ الأسرى كلُّها عناوينُ للاستهلاكِ الإعلاميِّ، فلا استطاعَ نتنياهو القضاءَ على حماسَ ولنْ يستطيعَ، لأنَّ المسألةَ ببساطةٍ أنَّ حماسَ فكرةٌ والأفكارُ قدْ تتوارى لكنَّها لا تموتُ، وتحريرُ الأسرى الإسرائيليينَ من قبضةِ حماسَ لم يكنْ يومًا ببالِ نتنياهو، ولا فريقِ حكومتِهِ من المتطرفينَ، حتى وإنْ أقسموا أنَّ هدفهم تحريرُ الأسرى، فهم كالعادةِ يكذبونَ كما يتنفسونَ ولم يستعيدوا أسيرًا واحدًا من دونِ تفاوضٍ.
سموتريتشُ الكذَّابُ قالَ الحقيقةَ لأولِ مرةٍ فى حياتِهِ باعترافٍ صريحٍ من الحكومةِ بالتخلى المتعمدِ عن المحتجزينَ، مما أثارَ غضبَ عائلاتِ الأسرى، الذينَ وصفوا كلامَهُ بأنَّهُ «عارٌ»، ويُتوقعُ أنْ تُصعِّدَ تصريحاتُهُ احتجاجاتِهم وربما تدفعُ قطاعاتٍ أوسعَ من المجتمعِ الإسرائيليِّ للانضمامِ إلى موجةِ الغضبِ الشعبيِّ وستزيدُ من حالةِ الانقسامِ، وتعمقُ الشرخَ بينَ الحكومةِ وشرائحَ واسعةٍ من الإسرائيليينَ.
السؤالُ الذى يطرحُ نفسَهُ، لماذا فى هذا التوقيتِ تحديدًا خرجَ سموتريتشُ بهذا التصريحِ؟ والإجابةُ ببساطةٍ أنَّهُ وزميلَهُ المتطرفَ الآخرَ إيتمارَ بنَ جفيرَ وزيرَ الأمنِ القوميِّ لاحظا كمَّ الضغطِ على نتنياهو لإبرامِ صفقةٍ لتبادلِ الرهائنِ، قدْ تنتهى بإيقافِ هذه الحربِ، وخروجِ إسرائيلَ من غزةَ لاسيما، مع الإعلانِ المتكررِ من قبلِ الرئيسِ الأمريكيِّ دونالد ترامبَ عن رغبتِهِ فى إعادةِ الرهائنِ وإنهاءِ الحربِ، فى ظلِّ تصاعدِ الانتقاداتِ داخلَ المجتمعِ الإسرائيليِّ ضدَّ أداءِ حكومةِ نتنياهو فى ملفِّ الأسرى، وتزايدِ القناعةِ لدى قطاعاتٍ واسعةٍ من المعارضةِ بأنَّ بقاءَ نتنياهو وحكومتِهِ فى السلطةِ باتَ أولويةً تتقدمُ على استعادةِ المحتجزينَ.
توقيتُ التصريحِ بلا شكٍّ يحملُ رسائلَ سياسيةً خطيرةً، حيثُ جاءَ فى لحظةٍ مفصليةٍ تشهدُ تسارعًا من قبلِ الوسطاءِ لإبرامِ صفقةٍ لإنهاءِ معاناةِ الفلسطينيينَ فى غزةَ، ويبدو أنَّ الأمرَ يقتربُ، على عكسِ رغبةِ اليمينِ المتطرفِ الذى اعتادَ أنْ يلعبَ دورَ المعوقِ فى الظلِّ بتحريضِ نتنياهو والضغطِ عليهِ ليعرقلَ الصفقةَ، لكنْ يبدو أنَّ هذه المرةَ شعرَ اليمينُ المتطرفُ بالخطرِ وبحيرةِ نتنياهو ما بينَ اليمينِ المتطرفِ ودونالد ترامبَ وضغوطِ الوسطاءِ وعائلاتِ الأسرى، فقررَ سموتريتشُ الظهورَ بنفسِهِ ليؤكدَ بما لا يدعُ مجالًا للشكِّ أنَّ العائقَ الحقيقيَّ أمامَ إتمامِ المرحلةِ الثانيةِ من صفقةِ تبادلِ الأسرى هو سموتريتشُ وإيتمارُ بنُ جفيرَ.
ما قالَهُ سموتريتشُ ليسَ موقفًا شخصيًا فحسبُ، بلْ يعكسُ توجهًا حكوميًا أعمقَ، وهو فحوى الخطابِ الأخيرِ المسجلِ لنتنياهو، الذى كانَ فارغًا من أيِّ مضمونٍ، وبمثابةِ معركةِ احتواءٍ ضدَّ الانتقاداتِ الموجهةِ لهُ بسببِ تهربِهِ من إتمامِ صفقةٍ، ورغمَ أنَّ نتنياهو وافقَ مضطرًا على اتفاقِ وقفِ إطلاقِ النارِ فى 19 ينايرَ الماضى بضغطٍ من الرئيسِ ترامبَ، هو نفسُهُ الذى تنصلَ من الاتفاقِ قبلَ الدخولِ فى مرحلتِهِ الثانيةِ حتى لا يغادرَ غزةَ، مفضلًا التضحيةَ بالأسرى فى سبيلِ البقاءِ فى الحكمِ.
حماسُ تنظرُ إلى السابعِ من أكتوبرَ على أنَّها فصلٌ من فصولِ المقاومةِ أعادَ القضيةَ للواجهةِ، ومنتقدُو حماسَ يرونَ أنَّ من دفعَ الفاتورةَ هو الشعبُ الفلسطينيُّ فى غزةَ.
الخلاصةُ حدثَ ما حدثَ، ولم تكنْ إسرائيلُ قبلَ السابعِ من أكتوبرَ توزعُ الورودَ على الفلسطينيينَ، كما لم تكنْ لتخففَ عدوانَها على الأرضِ والبشرِ لو لم يكنِ السابعُ من أكتوبرَ.