بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

هو وكل الضمائر الغائبة «٧»

ما لا شك فيه أن التعليم يمثل وجعاً ما فى كل بيت مصرى يحرص على أن يتعلم أولاده ويصلوا إلى جامعات جيدة يمكن أن تفتح لهم أبواب العمل فى المستقبل، حتى لو كان هذا الحلم المستقبلى مجرد وهم فى ظل معدلات البطالة التى لم ينج منها ولو خريجو كليات القمة كما نطلق عليها، ولهذا حديث آخر، ولكن كل الآباء والأمهات يركزون جل جهدهم مع أولادهم منذ نعومة أظفارهم لتعليمهم بأفضل المدارس خاصة تلك التى لها أسماء معروفة أو المدارس الخاصة والدولية، لا أبالغ إذا قلت إن الآباء يحرمون أنفسهم من كل شىء فى الحياة لتوفير نفقات التعليم لأولادهم خاصة الطبقة المتوسطة التى لا تزال متشبثة بعد بأحلام الصعود بأولادهم بالعلم والتعليم إلى مكانة أفضل من تلك التى طحنتهم وأنهكت أحلامهم الشخصية، التى تخلوا عنها طوعاً أو كرهاً خضوعاً لظروف الحياة وتضحية لأجل أبنائهم.
وللأسف لا ينجو طلاب المدارس الخاصة ولا الدولية من الدروس الخصوصية، وكنا نعتقد فى سنوات مضتْ أنها حكر على المدارس العامة نظراً لتهرب أغلب المعلمين من أداء واجبهم فى الشرح بفصل المدرسة وتوفير جهدهم للدروس الخصوصية، وأيضاً فقدان الطلاب أنفسهم الثقة فى المدرس بالمدرسة والثقة فى نفس المدرس فى الدرس الخاص، بالطبع تكلفة الحصة فى السنتر أو الدرس الخصوصى لطالب المدرسة القومية يتضاعف ثلاثة أو أربعة أضعاف وأكثر لطالب المدرسة الخاصة أو المدرسة الدولية، ولم لا!، طالما الأسرة قادرة على مصاريف مدرسة خاصة أو دولية، فلا ضير أن يضاف لذلك كام ألف أخرى للدرس الخاص أو السنتر، ولا يدرك المعلمون بضمائرهم الغائبة «إلا من رحم ربى» أنه ليس كل من ألحق ابنه بمدرسة خاصة أو دولية هو ثرى بالضرورة، أو هو من ورثة القطط السمان فى مصر مثلاً، وأن الآباء يوفرون من طعامهم وكل احتياجاتهم فى الحياة لإلحاق أولادهم بالمدرسة الخاصة أو الدولية اعتقاداً أنها الأفضل فى مستوى التعليم واللغات الأجنبية- التى صارت مفاتيح للعمل فى عصرنا الحالى- ولكن يدرك الآباء بعد فوات الأوان أنهم وقعوا فى الفخ، حين يكتشفون أنهم ليسوا بناجين من الدروس الخصوصية لتزداد الأعباء المالية على كاهلهم خوفاً من رسوب الأولاد ليعيدوا العام الدراسى بكام ألف، لذا يرون أن تكلفة الدرس الخصوصى الإضافى أهون لديهم.
وإن كنت أتحدث عن موت ضمائر هؤلاء المعلمين، فلا أعفى أيضاً ضمائر أولادنا من الإدانة، لاعتمادهم على الدروس الخصوصية بدلاً من أن يطلب كل منهم من معلم الفصل إعادة الشرح أكثر من مرة حتى يفهم وتصعيد الأمر لمدير المدرسة حال رفض المعلم، يستسهل أبناؤنا الدروس الخصوصية والسناتر فى عملية مشتركة وضمنية مع المعلمين لابتزاز جيوب الآباء، وكأن الابن يقول لوالديه «عايزنى أنجحْ إدفعْ بقى من غير كلام» وينسى الابن من هؤلاء أن نجاحه وفشله هو له، وأن والديه اهتمامهما بمستقبله ليس لأجلهما وليس لأجل «المنظرة والافتخار» به أمام خلق الله كما يعتقد، بل لأجله هو حتى يجد مستقبلاً جيداً يكفيه شر الاحتياج وشر مذلة السؤال، ولا يدرك أن والديه لن يدوما له طوال العمر خالدين فيها أبداً، وأن كل عام دراسى يتجاوزه فى حياة والديه هو مكسب له وليس لهما، فلو رحلا لن يجد من يعوله ولا من يسأل فى مستقبله، وأن دوره الاجتهاد والمذاكرة والتخلى عن إدمانه لهاتفه ولمواقع التواصل وعن شلة السوء التى تهدر وقته وتضيع مستقبله.
ولا يفوتنى أن أشير هنا إلى أشد أعوام الدراسة عسراً فى حياة أى أسرة مصرية، ألا وهى الثانوية العامة، وهو عام لا يغاث فيه الناس ولا يعصرون ولا يفعلون شيئاً إلا الإنفاق على الدروس الخصوصية على كل مادة، حتى فى الجغرافيا والتاريخ واللغة العربية، آه والله، بل قد لا يكتفى الطالب بحصص خصوصية لكل مادة عند مدرس واحد، بل أرى عجب العجاب حين يصر الطالب على الحصول على درس خصوصى عن نفس المادة لدى اثنين من المعلمين، بحيث يكمل أحدهما الآخر وفقاً للطالب، فيخبر والديه بأن هذا المعلم يفهم منه بعض الدروس، والآخر يفهم منه باقى الدروس، ولا يسألنى أحد لماذا يوافق الآباء على هذا الأمر اللا منطقى ويدفعون لاثنين من المدرسين فى مادة واحدة، ولكنى أجد أن الذعر لحد الفوبيا يصيب الآباء فى عام الثانوية العامة الأسطورة هو الذى يدفعهم لقبول كل شىء وأى شىء، مقابل أن يعبر ابنهم هذا العام بسلام ولو بأدنى الدرجات، ليتم فى النهاية إلحاقه بكلية خاصة فتستمر حلقات استنزاف الآباء.
الغريب فى عالم التعليم فى بلدنا الحبيب، ولم يعد خافياً على أحد أن فيروس الدروس الخصوصية لم يقف عند حدود مراحل التعليم الأساسى وحتى الثانوية العامة، بل وصل أيضاً إلى الجامعات.. وللحديث بقية

[email protected]