خارج السطر
آخر ما كتبه حسن حنفى
في مارس 2019 وقبيل رحيله بعامين ونصف انتهى المفكر المستقل حسن حنفي(1935-2021) من كتابه الأخير «أمريكا الحقيقة والأسطورة»، والذي حمل فيه خلاصة تصوراته وقراءاته وتنبؤاته بشأن الدولة الأكبر والأعظم والأكثر نفوذا وتأثيرا.
كان دافعه للكتابة، كما أخبرني وقتها، أنه مر بأحد شوارع القاهرة، ليرى طابورا طويلا من الشباب يصطف أمام باب حديدي يُفتح كل بضع دقائق ليُسمح لشخص أو اثنين بالمرور، فسأل عن ذلك، فقيل له إنهم الشباب الساعي إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة، وغيرهم من الباحثين عن تأشيرة دخول.
شعر المفكر الذي جاب العالم بحثا وعلما، وترك لنا أكثر من ثلاثين مؤلفا منها مجلدات موسوعية مثل« من العقيدة إلى الثورة»، « من النقد إلى الابداع»، و«موسوعة الحضارة العربية الإسلامية» أن أجيالا جديدة من البشر تهرول خلف سراب، فكتب كتابه.
عاش حسن حنفي في أمريكا أربع سنوات، وزارها أكثر من عشرين مرة محاضرا، ومشاركا في مؤتمرات علمية وفكرية فيها ليقدم للشباب شهادته.
في تصوره، فإن أمريكا هي خدعة كبرى في القيم والأفكار والمبادئ. وهي دولة استعمارية بامتياز، وإن كان الاستعمار الأمريكي غير استيطاني مثل الاستعمار الفرنسي في الجزائر، لكنه استعمار امتلاك عن طريق الغزو والأحلاف والقواعد العسكرية والتسلل الاقتصادي، موضحا أن الاستعمار الجديد له روابط مالية باسم المعونة والتجارة.
ويبدد حسن حنفي أوهاما عديدة عن أمريكا مثل استقلالية القضاء هناك ليؤكد أنه يخضع لجماعات الضغط السياسية والاقتصادية والعرقية، ورغم أهمية القانون في الدستور الأميركي إلا أن الحكومة الأميركية هي أول من يخرقه.
ويتصور المفكر الراحل أن هناك أميركا الأخرى، اللامرئية بخلاف مانهاتن وناطحات السحاب فهناك الملفوظون اجتماعيا كالسود والهنود الحمر والشيكانو. وهناك ـ في رأيه ـ مثل بلادنا يدفع الفقير للدولة أكثر مما يدفع الغني. والفقر في أميركا نوعان مرئي في السكن والملبس والمأكل وغير مرئي في الانتماء إلى الطبقة الدنيا، ولم تستطع برامج الحماية الاجتماعية أن تغير شيئا، وأبسط دليل على ذلك السير الذاتية التي كتبها الأمريكيون السود وما تزخر به من مآسي جماعية.
ويتوقع حسن حنفي انهيار النظام حال خطر داهم، والسبب أن هناك هوة كبيرة بين اليوتوبيا المأمولة ودرجة الخرافة نتيجة الصورة الذهنية المرسومة إعلاميا وفنيا وخطابيا.
ويتصور أن هناك صراعًا بين القيم والشركات الكبرى التي تبغي الربح على حساب كل شىء، لذا فإن هناك ثورة أو هبة في الطريق أو تخلخل تام، لأن الإنسان الأميركي تحول إلى علب محفوظة، فتدخلت الكيمياء مع الفيزياء، والطبيعي مع الاصطناعي، والطعام مع الدواء، وأصبح الأميركي معرضا للسرطان نظرا لتوسع الاصطناع، فما يأكله الأميركي مصنع، وما يلبسه مصنوع، وما يعالج به كيماوي، فأصبح يعيش في عالم مصنوع وفقد العالم الطبيعي الذي كان يذهب إليه في العطلات، ويقضي فيه فترة ما بعد المعاش.
ويرى «حنفي» أن النهضة وديمومتها ليست في قوة السلاح ولا وفرة الانتاج بل في المثل والقيم التي قامت عليها أميركا فعليا وما عبر عنها اعلان الاستقلال، وهو ما يتناقض تماما مع حالها خارجيا وداخليا.
رحل حسن حنفي عن عالمنا في أكتوبر 2021، وكان ما رآه وعايشه شذرات من قُبح وُعنف وتسلط استعماري جديد، لكنه لم يشهد ما شهدناه مؤخرا من شطحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إدارة ملفات العالم من خلال فرض الجزية على الشعوب الحليفة وغير الحليفة، وتشجيع تشريد البشر لبناء المنتجعات، وطرد الضيوف واللاجئين، وتسليع الأفكار والحقوق.
رحم الله حسن حنفي، فقد كان يرى.
والله أعلم.