تأملات
التهجيرُ العلاجيُّ للفلسطينيينَ!
حتى الآنَ وبعدَ نحوِ عامٍ ونصفِ العامِ على الحربِ على غزةَ وصلَ عددُ المصابينَ الفلسطينيينَ نتيجةَ العدوانِ الإسرائيليِّ الهجوميِّ على القطاعِ أكثرَ من مئةٍ وستةَ عشرَ ألفَ مصابٍ. وإذا ما حاولنا تأملَ المشهدِ على ضوءِ قيامِ إسرائيلَ بقصفِ مستشفى المعمدانيِّ مجددًا تحتَ حججٍ لا دليلَ عليها بأنها مأوى لعناصرَ من حماسَ، يمكنُ مع توسيعِ دائرةِ النظرِ لما يجري هناكَ التوصلُ إلى نتيجةٍ مهمةٍ على صعيدِ طبيعةِ آلياتِ تلِّ أبيبَ في محاولةِ إفراغِ غزةَ من سكانِها وتحقيقِ مخططِ التهجيرِ.
بعيدًا عن كونِ إسرائيلَ تسعى لسيناريو الأرضِ المحروقةِ في غزةَ والذي تهدفُ من خلالهِ إلى الوصولِ بالفلسطينيينَ هناكَ إلى خيارِ الهجرةِ طوعًا، فإنَّ المخططَ الخبيثَ لإسرائيلَ يعملُ على استخدامِ كافةِ السبلِ لتحقيقِ ذلكَ دونَ هوادةٍ. في هذا السياقِ ربما يأتي تدميرُ القطاعِ الصحيِّ وهو ما يبدو في القضاءِ على ما يزيدُ على خمسةٍ وثلاثينَ مستشفى ومرفقٍ صحيٍّ منذُ بدايةِ العدوانِ. يتكاملُ هذا التوجهُ مع القصفِ العشوائيِّ للمدنيينَ والذي انعكسَ في وصولِ حجمِ الإصاباتِ إلى الرقمِ الذي ذكرناهُ والحبلُ على الجرارِ.
يكشفُ ذلكَ بوضوحٍ عن أنَّ إسرائيلَ تسعى لاستخدامِ الجانبِ المتعلقِ بالإصاباتِ التي تلحقُها بالفلسطينيينَ سلاحًا من أسلحتِها في تحقيقِ هدفِ التهجيرِ. فمع القضاءِ على القطاعِ الطبيِّ والصحيِّ فإنَّ المصابينَ لن يكونَ أمامَهم ملاذٌ أو خيارٌ سوى السفرِ لتلقي العلاجِ بالخارجِ، وفي ظلِّ السياسةِ الإسرائيليةِ القائمةِ على تفريغِ القطاعِ من سكانِهِ والسيطرةِ على حركةِ الدخولِ والخروجِ منهُ، فإنَّ فكرةَ عودةِ هؤلاءِ المصابينَ ربما تبدو نوعًا من الخيالِ.
طبعًا لا يمكنُ إنكارُ أنَّ استقبالَ هؤلاءِ المصابينَ والقيامَ على توفيرِ العلاجِ لهم يعتبرُ نوعًا من الواجبِ الإنسانيِّ، حيثُ لا يجبُ تركُهم فريسةً للهجميةِ الإسرائيليةِ ونهبًا لمضاعفاتِ الإصاباتِ التي تلحقُ بهم. لكنْ إذا كانَ المثلُ يقولُ أنَّ الطريقَ إلى النارِ مفروشٌ بالنوايا الحسنةِ، فإنَّ المشكلةَ هنا أنَّ مثلَ هذهِ النوايا قد تكونُ أحدَ الأسبابِ غيرِ المباشرةِ التي تصبُّ في غيرِ صالحِ فلسطينيي غزةَ.
في حدودِ ما بحثتُ لا يوجدُ رقمٌ محددٌ بشأنِ الحالاتِ التي خرجتْ من غزةَ لتلقي العلاجِ، وإنْ كانَ التصورُ العامُ أنَّهُ لا شكَّ أقلُّ بكثيرٍ من عددِ المصابينَ حيثُ أنَّ المنطقَ أنهم لن يخرجوا كلُّهم لتلقي العلاجِ بالخارجِ. لكنَّ ما يفاقمُ من المشكلةِ ويزيدُ من المخاوفِ بشأنِ تحولِ هذا الجانبِ إلى بابٍ خلفيٍّ لتحقيقِ مخططِ التهجيرِ – قسريًّا أو طوعًا لا فرقَ – هو أنَّ المصابَ في الكثيرِ من الحالاتِ لا يذهبُ بمفردهِ وإنما مع مرافقٍ أو "مرافقينَ" من أهلِهِ.
وإذا كانتِ الضغوطُ لتنفيذِ مخططِ التهجيرِ متواصلةً ولا تتوقفُ على الفلسطينيينَ في القطاعِ، بل وعلى من يساندونَهم في مواجهةِ هذا المخططِ وفي القلبِ منها مصرُ التي تدركُ خطرَ تنفيذِ هذا السيناريو على أمنِها القوميِّ، فإنَّ ما قد يرتابُ لهُ المرءُ مسارعةُ بعضِ الدولِ لارتداءِ ثوبِ الملاكِ الطاهرِ وفتحِ بابِ الاستضافةِ ليسَ للمصابينَ فقط بل لأسرِهم والتي قد يصلُ عددُ الأسرةِ منها لعشرةِ أفرادٍ. يشككُ في نوايا هذهِ الدولِ وكونِها مسمارًا أساسيًّا في مخططِ التهجيرِ علاقاتُها الوثيقةُ بتلِّ أبيبَ بشكلٍ يجعلُنا نعتبرُ أنَّ ما نصفُهُ بالتهجيرِ العلاجيِّ أحدَ المساراتِ المتوافقِ عليها بينَ الدولةِ العبريةِ وقوى إقليميةٍ ودوليةٍ لتوفيرِ غطاءِ إفراغِ غزةَ من سكانِها.
ولعلَّ ذلكَ ما يقصدُهُ أو يشيرُ إليهِ تأكيدُ رئيسِ المجلسِ الوطنيِّ الفلسطينيِّ بأنَّ إخلاءَ مستشفى المعمدانيِّ تحتَ القصفِ، وسقوطَ المرضى والجرحى تحتَ الأنقاضِ، ستبقى شاهدًا دامغًا على أنَّ الاحتلالَ ينفذُ سياسةَ تطهيرٍ عرقيٍّ ممنهجةٍ، وسطَ تواطؤٍ دوليٍّ ومشاركةٍ ودعمِ الإدارةِ الأميركيةِ التي تدعمُ الاحتلالَ بأدواتِ القتلِ وخططِ التطهيرِ العرقيِّ.