نور
كامب ديفيد فى غرفة الإنعاش!!
إلى الآن مصر صابرة فى مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة لاتفاقية كامب ديفيد.. وفى مقابل تقديرنا لهذا الصبر الحكيم لا يمكنك أن تقابل ما تفعله القيادة المصرية فى مواجهة العربدة الإسرائيلية فى المنطقة دون الإعجاب بهذا الأداء الراقى المدروس الذى يرفض الانجرار نحو أسلوب «فتوات الحواري» أو «بلطجية الأسواق» لأن الدول التى تحترم نفسها تضع لعلاقاتها سياسة ثابتة رشيدة عاقلة، وتطرح نفسها باعتبارها نموذجًا مستقرًا يسعى للتعاون مع الإنسانية للبناء ومنح الحياة للشعوب.
وعندما تتابع هذه السياسة الرشيدة لا يمكن أن تتجاهل هذا التواصل المصرى الذكى مع فرنسا -إحدى الدول الخمس دائمة العضوية فى مجلس الأمن- والنجاح فى جعل الدولة الفرنسية ورئيسها ماكرون شريكًا مباشرًا فى عملية السلام، للعمل معًا على حماية الشعب الفلسطينى من الإبادة الجماعية، وإجراء خطوات سريعة لتفعيل المبادرة المصرية التى تستهدف إيقاف نزيف الحرب وإعادة إعمار غَزة.
العالم كله يتابع الجهود التى تبذلها مصر لمواجهة عمليات القتل والإبادة الجماعية التى تمارسها إسرائيل فى حق الشعب الفلسطينى، المواجهة تمت بالسياسة وليس بالبلطجة، نحن ندرك أننا شركاء مع العالم فى حماية الشعب الأعزل من براثن أسلحة فتاكة يستخدمها جيش لايعرف القانون، وهوما يثير تساؤلات عديدة حول كيفية استعمال هذه الأسلحة الفتاكة لقتل المدنيين العُزل دون محاسبة قانونية دولية للقاتل.
ولأننا نتكلم عن القانون الدولى، أعتقد أننا يجب أن نتحرك لمخاطبة المؤسسات الأممية للتحذير من نتائج تفريغ رفح الفلسطينية على السلم والأمن فى المنطقة، لأن هذا التفريغ القسرى هدفه التهجير وليس حماية إسرائيل بمنطقة عازلة كما يزعم نتنياهو.. فهل حماية إسرائيل تتطلب تفريغ مساحة أرض على الحدود مع سيناء؟!! أليست الحرب منذ بدايتها -كما تقول إسرائيل- لمواجهة حماس؟ هل حماس تتمركز على الحدود مع شبه الجزيرة المصرية أم أنها تحت الأرض فى غزة؟ لذلك يجب أن نتعامل بكل جدية مع أية تحركات إسرائيلية تؤدى إلى تغيير طبيعة الأوضاع التى كانت عليها الحدود وقت توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، فنحن نفهم أن الغرض من تفريغ هذه المساحة هو تجويع الفلسطينيين فى غزة، بالإضافة إلى استفزاز مصر التى بلغ صبرها أقصى مدى!
على أية حال.. إسرائيل التى قامت خلال الشهر الماضى بمخالفة اتفاقية كامب ديفيد والالتفاف عليها تحتاج إلى مواجهة سياسية وقانونية حاسمة لإيقاف عربدتها على حدودنا وانتهاكها لمفهوم السلام الدائم!! كُن صبورًا وتابعنى خلال سطور المقال لكى نشرح الموقف الذى يتطلب هجومًا قانونيًا مصريًا لإيقاف هذه الانتهاكات.
1- تل أبيب تمارس الإجرام والقتل الممنهج منذ 7 أكتوبر 2023 تمهيدًا لتفريغ غَزة من سكانها بما يهدد أمننا القومى المصرى بشكل مباشر وهو ما يجعل الاتفاقية فاقدة للغرض منها فى المستقبل، ولكن الصمود الفلسطينى المدعوم من مصر والأردن نجح -حتى الآن- فى منع تنفيذ مشروع التهجير.
2- إسرائيل تتصرف بجنون فى المنطقة لمحاولة إشغالنا جميعًا بجبهات متعددة يؤدى تفجيرها (فى لبنان وسوريا وغَزة) إلى تهديد الأمن القومى العربى، ثم أنها كانت تُجرى محاولات دؤوبة للاستيلاء على محور فيلادلفيا أو «محور صلاح الدين» الفاصل بين سيناء وغَزة، وهو محور طوله 14 كيلو مترًا تقريبًا ويمثل منطقة عازلة بين المنطقتين بموجب «اتفاقية كامب ديفيد» الموقّعة بين القاهرة وتل أبيب عام 1979.. واستيلاء إسرائيل على المحور يمثل مخالفة منها لبنود الاتفاقية.
3- فشلت إسرائيل فى تقنين استيلائها على محور فيلادلفيا ولذلك فهى تقوم الآن بتفريغ رفح الفلسطينية من سكانها وتحريكهم إلى داخل غَزة، وهو ما يعني أن محور فيلادلفيا الفاصل بين غَزة وسيناء سيفقد أهميته، فلم يعد المحور ثم القطاع هما الفاصلين بين سيناء وقوات الجيش الإسرائيلى.. ولكن استيلاء إسرائيل على رفح الفلسطينية سيجعل الفاصل بين سيناء والقوات الإسرائيلية المسافة (صفر) وهو ما يعنى انتهاكا واضحا وصريحا لاتفاقية كامب ديفيد، فالمسألة ليست نصوصًا جامدة مجردة من الهدف، ولكن القضية فى أن النصوص القانونية لها أهدافٌ فإذا تم التحايل على هذه النصوص والأهداف فيجب أن نُسجل وجود مخالفة لبنود الاتفاقية، فأحد أغراض إتفاقية السلام هو منع الاحتكاك بين الجانبين المصرى والإسرائيلي، ولكن استيلاء إسرائيل واحتلالها لرفح الفلسطينية يمثل تهديدًا مباشرًا لسيناء، وبالتالى فإن الغرض من النص القانونى (منع الاحتكاك) أصبح غائبًا بفعل فاعل هو الجانب الإسرائيلى.. فهو الجانب الذى أجرى محاولات للاستيلاء على محور فيلادلفيا دون اتفاق مع الجانب المصرى.. وبعد فشله فى تنفيذ عملية الاستيلاء على المحور، قرر صناعة محور بديل باستيلائه على رفح الفلسطينية وتفريغها من السكان وتحويلها إلى منطقة فارغة عازلة بديلة لمحور فيلادلفيا!! وهو مايعنى أنه لم تعد هناك فواصل جغرافية وبشرية وديموغرافية بين الجيش الإسرائيلى وسيناء المصرية!!
4-الأزمة أن الراعى الرسمى للاتفاقية،الولايات المتحدة (ظل طوال مدة أزمة 7 أكتوبر) طرفًا غير محايدا، فالرئيس الأمريكى السابق جو بايدن كان منحازًا انحيازًا سافرًا لإسرائيل، والرئيس الحالى ترامب يقول ما لا يمكن قبوله حول تفريغ غَزة، وتحويلها إلى مشروع عقارى يحقق ربحًا على حساب البشر الذين يُقتلون ويتعرضون لأسوأ عمليات الإبادة الجماعية، والسبب المعلن لهذه الإبادة هو سيطرة (حماس) على غَزة، طبعًا.. الحجة يتم إبطالها حاليًا بالبحث عن وسيلة لإعادة السلطة الفلسطينية لممارسة مهامها وبسط سلطاتها على كامل الأرض المحتلة، وهى محاولة لتفويت الفرصة أمام من يريد تحويل أرض فلسطين لمشروع تجارى، وهى محاولة تساعدنا على بدء إجراءات إعادة القوات الإسرائيلية إلى حدودها الدولية، وبعدها نناقش حجم المخالفات التى ارتكبتها إسرائيل فى حق البشر، ونناقش أيضًا انتهاكاتها لمعاهدة السلام.. فكامب ديفيد تُنتهك من إسرائيل كل يوم، ويجب أن يتذكر العالم أن الاتفاقيات لا يعيش برئة واحدة، فاحترام مصر للاتفاقية وبنودها لن يمنح الاتفاقية قُبلة الحياة، ولكن لابد من احترام الطرف الآخر -إسرائيل- للعقد المُبرم فى منتجع كامب ديفيد برعاية الرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر، وإلا ستدخل الاتفاقية غرفة الإنعاش.. وفى العناية المركزة إما أن تعمل الرئة الأخرى أو تموت الإتفاقية للأبد!.