أوراق مسافرة
هو وكل الضمائر الغائبة «5»
عندما تحدثت عن مستشفيات التأمين الصحى فى مقال الأسبوع الماضى، كنت كمن يضغط على صديد متقيح فى جسد المجتمع، لأن أغلب فئات الشعب مفترض أنها تتمتع بمظلة التأمين الذى نحلم أن يكون شاملًا على غرار ما تم تطبيقه فى بعض المحافظات فى المرحلة الأولى والتى شملت بورسعيد، الإسماعيلية، السويس، جنوب سيناء، الأقصر، أسوان، ووفقًا لخطة وزارة الصحة مفترض أن يتم تطبيق المرحلة الثانية فى يوليو القادم لتشمل خمس محافظات وهى: دمياط، المنيا، كفرالشيخ، شمال سيناء، ومطروح، على أن يتم فيما بعد تطبيق المراحل الباقية الثالثة والرابعة على باقى المحافظات، كل هذا جيد ولكن شمولية مظلة التأمين الصحى يجب أن يرافقها تطوير حقيقى للمستشفيات، وألا يقتصر التطوير على الأبنية، بل يشمل المعدات والأجهزة الطبية، نوعية الخدمة، التطوير البشرى بتوفير أطباء أكفاء وخبرة وبأعداد كافية فى كل تخصص، وهذا ما لا نراه أبدًا، كيف على سبيل المثال لا يتوافر إلا طبيب واحد يوميًا فى كل تخصص، وكيف لمريض قلب مثلًا أن ينتظر أسبوعًا أو عشرة أيام أو أكثر ليمثل بين يدى طبيب، لو كنا نعانى من نقص الأطباء لرضينا بقوائم الانتظار المبالغ بها، لكن مصر ما شاء الله يتخرج من جامعاتها آلاف الأطباء فى سابقة لا يتمتع بها أى بلد بالعالم، فعلام التوفير فى عدد الأطباء؟ وهنا تأتى الإجابة صادمة، أن الأطباء أنفسهم يهربون من العمل فى قطاع التأمين الصحى بسبب وجود عقبات مالية وإدارية يعانون منها، فهم يشتكون من التعسف الإدارى لنيل كامل حقوقهم المالية التى يستحقونها، ويشتكون من سوء بيئة العمل، ومن طول ساعات العمل التى يرون أنها أدت إلى إجهاد أغلبهم وحدوث وفيات فجائية غير مسبوقة بين الأطباء الشباب دون سابق إنذار، وكلها أمور تسببت فى هجرتهم للقطاع وغياب الكفاءات المطلوبة. يضاف إلى ذلك ما تعانى منه الأجهزة الطبية فى مستشفيات التأمين الصحى من عدم صيانة دورية، فتجد جهاز الأشعة معطل منذ فترة ولم يتم إصلاحه أو استبداله بآخر جديد! وأن هناك عدة لجان لا تزال تفحص المشكلة لحلها لاحقًا، أو أن وحدة الغسيل الكلوى لا تعمل ومغلقة لأى سبب منها حدوث تلوث فيروسى مثلًا بالجهاز!
وما يؤسف له أيضًا أن نظام التأمين الصحى الشامل الذى هللنا له كثيرًا يعانى من بطء شديد فى التنفيذ ليشمل كل محافظات الجمهورية، ورغم ما اعتقدنا فى شموليته لكل الأمراض، فإن الحقيقة غير ذلك تمامًا، حيث يتكفل المرضى بتحمل أعباء مالية لا يقدر عليها أغلبهم، إذ تحولت المستشفيات الحكومية تحت تلك المظلة الشاملة إلى قطاع ربحى، ففى حال انقطاع المواطن عن سداد الاشتراك الشهرى للتأمين الصحى الشامل مثلًا لسبب أو آخر لا يتم إمهاله للسداد، بل يسقط التأمين الصحى عن الأطفال، ورغم أنه تأمين شامل فإنه لا يشمل العلاج النفسى والصحة النفسية ولا الصحة الوقائية والأمراض المرتبطة بالأوبئة.
نعم تنفق الدولة مليارات على قطاع التأمين الصحى رغم ذلك لا يشعر المريض بالرضا الحقيقى المعامد على أسباب موضوعية بخدمات هذا القطاع بأى صورة، وإجمالًا جميع قطاعات الرعاية الصحية فى مصر تحتاج إلى تحسين وتعزيز جودة الرعاية الطبية، تحسين البنية التحتية للخدمات الصحية من فحوصات وتحاليل، دعم الفئات الأكثر احتياجًا مثل الطلاب والعمال والمرضى بأمراض مستعصية والتى تحتاج إلى علاج طويل الأجل، تعظيم الاستفادة من التقدم التكنولوجى فى البحث الطبى والتشخيص، توجيه الاهتمام لتطوير وتدريب الكوادر الطبية والإدارية لضمان تقديم خدمات متطورة ومفيدة للمرضى، ضرورة توافر نظم معلومات لإدارة الخدمات الصحية، فعدم توافر هذه النظم يؤدى إلى غياب التخطيط الجيد والتنسيق والمتابعة والمراقبة والتقييم للأداء الصحى، وكذلك ضعف الرقابة على مستويات الجودة وعدم انتشارها بجميع المحافظات، كذلك عدم وجود معيار طبى موحد للخدمات المطلوب تقديمها للمرضى بالمستشفيات وخاصة بقطاع التأمين الصحى يؤدى إلى اختلاف مستويات ومعايبر الخدمات التى يقدمها الأطباء للمرضى، فكل طبيب يحددها حسب معاييره الخاصة، ما يؤدى إلى اختلاف جودة الخدمات الطبية المقدمة، ويفتح المجال للتلاعب أو الفساد أو انتهاك حقوق المرضى، وكذلك غياب الشفافية والوضوح فى القطاع، فلا توجد رقابة فعلية على المستشفيات وأداء الأطباء ومستوى الخدمات الطبية المقدمة للمرضى، وغياب الرقابة والثواب والعقاب يؤدى إلى التقصير والإهمال والتجاهل لحقوق المرضى بما يرضى الله والضمائر، لنقول.. غابت أغلب الضمائر فى قطاع من أهم قطاعات خدمة المواطن التى تمس حياته.. وهى الصحة، وللحديث بقية.
[email protected]