خارج السطر
محاولة لفهم مصطلح «السلام»
السلام اسم من أسماء الله الحسنى، ومبدأ عظيم نادت به كل الأديان السماوية، وهو ضمان لحقوق البشر على الأرض، وسبيل للترقى والتحقق الإنسانى، وحقل للابداع والتعاون بين مختلف الأجناس والأعراق.
أن تحيا فى سلام، فذلك يعنى أن تحيا فى رضا، وسعادة، وأمل، وتسامح، أن تحمل محبة للجميع، ورحمة للكل، وحماساً للتعارف وقبول الآخر. أن تبنى وتعمر وتحسن وتطور وتبتكر وتتعاون، وتسعى لتحقيق مراد الله فى الأرض بعمارتها وبث الخيرات فى كل مكان.
لا شك إذن أن السلام هو أمل الآمال، وأعظم الطموحات لدى أصحاب الضمائر والأفهام شرقاً وغرباً، وهو أنقى المشاريع وأسمى الخطط الاستراتيجية للدول والشعوب. لا شك فى ذلك ولا خلاف عليه، لكن ما ينبغى استيعابه هو التعمق فى المصطلح وتحديد دلائله بما يمنع تلوينه وتشويهه وتوظيفه لخدمة مشروعات استعمارية.
بروية وهدوء نقول إن السلام هو تلاقى إرادتين، لا اختيار لإرادة واحدة. رغبة ثنائية لا آحادية. وهو خيط ممدود بين طرف وطرف آخر. وهو أيضا حوار متصل ممتد ومستدام. وهو كلمة وصداها.
لذا لا يمكن لسلام أن يتحقق وهناك طرف ينشده، وآخر يرفضه. ولا يولد التعايش بين شعبين أحدهما يتصور أن وجوده يعنى بالضرورة غياب الآخر. وهذا فى الأساس مشكل الصراع العربى الإسرائيلى منذ سبعة عقود، فالدولة التى قامت على اغتصاب حقوق الغير، واصطنعت شرعية مزورة، ووظفت القوة فوق الحق، ومددت وجودها خصماً من وجود دولة أخرى، وعلى حساب شعب آخر، تقف بالمرصاد لكل دعوة سلام حقيقية لأنها ترفض إعادة الحقوق لأصحابها، أو حتى الاعتراف بها.
بشكل مبكر لم تكن إسرائيل مؤمنة قيادة وشعباً بالسلام فى كل الأطروحات الدولية لتسوية الصراع، فقد كانت لديها دائماً لاءات معقدة، وتحفظات معرقلة، وتصورات آحادية، تطرح من خلالها سياسة فرض الأمر الواقع، وتصر على استبعاد أى حقوق مشروعة للغير من مائدة المفاوضات.
فى كل مرة تقف إسرائيل ضد السلام تحت تصورها بأنها الطرف الأقوى، وأن الطرف الأقوى هو الذى لديه الحق فى رسم الحوار التفاوضى، بل تحديد حقوق الآخر، وأن على هذا الآخر القبول طوعاً أو كرهاً بذلك الطرح باعتباره الفرصة الوحيدة، وأنه لو لم يقبله، فإنه هو المعرقل للسلام، والساعى للحرب، والداعم للإرهاب.
وحسبنا أن نستعيد وعى وفهم الدكتور عبدالوهاب المسيرى رحمه الله لمفهوم إسرائيل للسلام المطروح من جانبها بقوله:
«إن التوجه للسلام لدى إسرائيل هو مجرد مرحلة إنتقالية، ومن ثم ترى أنه يجب حصار العنصر الفلسطينى وقمعه بضراوة لترسيخ فكرة استحالة استعادة حقوقه. وهناك مدرستان فى إسرائيل فيما يخص تسوية الصراع. الأولى: تعتبر أن نزع سلاح الضفة الغربية وقطاع غزة أمر حيوى فى أية تسوية سياسية مقبلة، بينما ترى المدرسة الثانية ضرورة إبقاء السيطرة العسكرية الإسرائيلية (المباشرة) على عموم المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967».
ولاشك فى أن طرحى كلا المدرستين لا علاقة لهما بالسلام، فقيام الدولة الفلسطينية يعنى بالضرورة سيادتها، وقدرتها على حماية ذاتها فيما بعد، وحقها فى استقبال لاجئيها المشردين منذ عقود، ولا عبرة لأى اتفاق مفروض يمثل تصفية للقضية، وتفريطاً فى الحق الفلسطينى فى أرضه ووجوده.
إن تصور آحادية الطرح الإسرائيلى للسلام يمثل اصطداماً بثوابت الحق الفلسطينى العادل فى قيام دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية، وعودة اللاجئين.
وما ينبغى قوله، وما يجب طرحه، وما يلزم التأكيد عليه فى كل محفل دولى وإقليمى، هو أن السلام لا يعنى أبداً الاستسلام، ولا يعنى كذلك الامتثال والسعى لقبول أى طرح تحت باب قبول ما هو معروض آنياً، واختيار أقل الضررين، لأن ذلك هو التفريط عينه.
والله أعلم.
mostafawfd@hotmail. com