بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

خارج السطر

الشماتة فى الموت موت

تذبحنى سلوكيات، وتصعقنى ردود فعل، فأُنكر صامتا، وآسف نافرًا، وألتحف بالابتعاد والنأى عن وصلات الردح وثرثرة المتربصين، لكننى أنتفض ذعرًا إن دُهست قيم مُجتمعية نبيلة، تحت وطأة «التريند» وغثاء «السوشيال ميديا».
لذا فقد انزعجت كثيرا من تعليق مُغردين مثقفين على رحيل أبى اسحاق الحوينى، بشماتة وتشفٍّ واستهانة بجلل الموت نفسه.
كتبت إيزيس كريمة الكاتب سيد القمنى على حسابها على تويتر، ونقل عنها الآلاف فور ظهور نبأ وفاة الحوينى: «اخيرا. الحمد لله أنه قطع أنفاسك. كنت مستنياها»، كأنها تردها لابنه حاتم الحوينى الذى سبق وكتب شامتا فى وفاة سيد القمنى سنة 2022، إذ قال: «الحمد لله الذى قطع أنفاسك».
فتذكرت أبيات شعر عظيمة للشاعر أبى تمام يقول فيها:
«لا يَشمَتِ الأَعداءُ بِالمَوتِ إِنَّنا
سَنُخلى لَهُم مِن عَرصَةِ المَوتِ مَورِدا
وَلا تَحسَبَنَّ المَوتَ عارًا فَإِنَّنا
رَأَينا المَنايا قَد أَصَبنَ مُحَمَّدا».
ورغم اختلافى فكريا وحضاريا ومنهجيا مع أبى اسحاق الحوينى، وقطعا لا أراه عالما فذا أو خلافه، وسبق أن كتبت مرارا خلال حياته عن آرائه المُروعة وخطرها على العقل، وعلى الفهم الوسطى للدين، والاعتدال، لكن وفاته عنت لى أن روح إنسان ما غادرت إلى الضفة الأخرى، فاستحقت أن نسأل الله لها الرحمة والمغفرة، ونلتمس لصاحبها الأعذار باعتباره ممن طلبوا الحق فأخطؤوه.
لقد عادى الرجل الحضارة الحديثة، ورفض الوحدة الوطنية، وازدرى المرأة، واعتبرها غير جديرة بأى علم أو إنجاز، وتقبل استعباد البشر وإذلالهم، ورأى أن كل مُنجزات العلم الحديثة بدع وضلالات، لكن كل هذا لا يمنحنا الحق فى رميه بلعنات أو التشفى فى موته.
صحيح أن كثيرا من المُتأسلمين يُمارسون الشماتة فى الموت بغل وجرأة واستفزاز، وسبق أن سمعت ورأيت عددا من رموز الإسلام السياسى يشمتون فى وفاة رئيس أو وزير أو مفكر أو حتى شاعر، مثلما شمت بعض مُغردى الإخوان المسلمين يوما فى وفاة الشاعر عبدالرحمن الأبنودى. وصحيح أن بعضهم انتزع لنفسه مفاتيح الجنان والجحيم ليُلقى بفلان هُنا ويرمى فُلانا هناك، فى ظاهرة دخيلة ومُنحطة على المجتمع المصرى، لكن ظهور القبح من شخوص ما لا يُبرر لنا ممارسة هذا القبح مع نظرائهم. فالقبح كما أقول دائمًا لا يُبرر القُبح.
ولقد كانت واحدة من أهم وأبسط سمات المصرى القديم والوسيط والحديث هى أن يُحافظ على جلال الموت ويحترم مصاب البشر، فلا يُبدى فرحا، ولا يُظهر شماتة، ولا يتبع الفقيد بلعائن أو سباب.
لقد كتب الشاعر أحمد شوقى يوما عن وفاة أحد الخصوم قائلا «محا الموتُ أسباب العداوة بيننا / فلا الثأر ملحاحٌ ولا الحقدُ ثائر».
وهذا الشاعر العبقرى أبو العلاء المعرى يترك لنا بيت شعر يُدرس إلى آخر الزمان يقول «لا تظلموا الموتى ولو طال المدى / إنى أخاف ُ عليكمو أن تلتقوا»، وهو ما يذكرنى ببيت سابق لشاعر جاهلى يقول» إذا ما الدهرُ جرَّ على أناسٍ / كلاكله أناخ بآخرينا/ فقل للشامتين بنا أفيقوا / سيلقى الشامتون كما لقينا».
ولكل مَن اختلفنا معه وعليه نسأل الله الرحمات والرحمات. والله أعلم

[email protected]