بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أمجد ﻣﺼﻄﻔﻰ ﻳﻜﺘﺐ: فى زمن فقر الإمكانيات

«محمد يا رسول الله».. براعة الأداء تكفى

بوابة الوفد الإلكترونية

فى عالم الدراما، هناك أعمال تبقى خالدة فى الذاكرة، لا يطويها النسيان ولا تفقد بريقها مع مرور السنين، بل تزداد قيمة وتأثيرًا كلما عاد المشاهد إلى متابعتها. ومن بين هذه الأعمال العظيمة، يأتى المسلسل الدينى التاريخى «محمد يا رسول الله»، يعرض حاليًا على ماسبيرو زمان- المسلسل يُعد علامة فارقة فى مسيرة الدراما المصرية، وواحدًا من أروع الإنتاجات التى جسّدت السير النبوية والقصص القرآنى بأسلوب درامى رفيع المستوى.

رغم ضعف الإمكانيات الإنتاجية فى ذلك الوقت، ورغم بساطة الديكورات التى تكاد تصل إلى درجة الفقر، فإن المسلسل استطاع أن يحقق معادلة صعبة، حيث تعوّض براعة الفنانين وإتقانهم للأداء كل ما كان يفتقر إليه العمل من مظاهر البذخ والإبهار البصرى. هنا، لا تحتاج المشاهد إلى مؤثرات رقمية ولا إلى مشاهد ضخمة كى تستشعر العظمة، فالقوة تكمن فى اللغة، والأداء، والحوار، والإحساس الصادق، وهى العناصر التى صنعت مجد هذا المسلسل وجعلته خالدًا فى وجدان الجمهور العربى.

 

إبداع موسيقى ينقل المشاهد إلى أجواء روحانية

منذ اللحظة الأولى، يأخذك المسلسل فى رحلة روحانية، حيث يضعك تتر المقدمة فى أجواء تاريخية مهيبة، بفضل اللحن العبقرى للراحل الكبير جمال سلامة، وصوت ياسمين الخيام العذب، الذى ينساب إلى القلب كنفحات من زمن الأنبياء، فتشعر وكأنك تعيش داخل الأحداث، بين أروقة مكة وبطاح المدينة، تسمع خطوات الأنبياء وترى نور الرسالة الإلهية يتلألأ فى الأفق.

 

مباراة فنية بين عمالقة الأداء واللغة

لم يكن الأداء التمثيلى فى هذا المسلسل مجرد اجتهاد فردى، بل كان مباراة فنية حقيقية بين عمالقة التمثيل، حيث أبدع الفنانون فى تجسيد شخصيات الأنبياء وصحابتهم، مستخدمين مخارج ألفاظ سليمة، ولغة عربية فصيحة تنساب بين الشفاه برشاقة وإتقان. لم تكن هناك أخطاء، لم تكن هناك عجالة فى نطق الحروف، بل كان كل لفظ يأخذ حقه، وكل جملة تُقال بحساب، وكأن الممثلين يُحيون لغة القرآن فى صورة حية على الشاشة.

أما اليوم، فقد باتت هذه المهارات نادرة فى الدراما الحديثة، حيث أصبحت مخارج الحروف تائهة، والتشابهات تفسد المعانى، فالصاد أصبحت سينًا، والقاف صارت كافًا، حتى اللهجة العامية لم تسلم من سوء النطق، وكأن جمالية اللغة لم تعد ضمن معايير التمثيل فى العصر الحالى.

 

إنتاج ثرى بالمضامين التاريخية والدينية

المسلسل، الذى أنتجته شركة صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات، يتكوّن من خمسة أجزاء تروى قصص عدد من الأنبياء، منذ النبى إبراهيم عليه السلام، حتى بعثة النبى محمد صلى الله عليه وسلم. العمل مستوحى من سلسلة «محمد رسول الله والذين معه» للأديب عبدالحميد جودة السحار، ذلك الاسم الذى يعنى التاريخ، والأصالة، والتوثيق الدقيق. كتب السيناريو والحوار الشاعر عبدالفتاح مصطفى، بينما أخرجه نخبة من كبار المخرجين: أحمد طنطاوى (الأجزاء الثلاثة الأولى)، ثم أحمد توفيق (الجزء الرابع)، وأخيرًا نور الدمرداش (الجزء الخامس).

 

رحلة عبر أجزاء المسلسل

الجزء الأول: يسرد قصص إبراهيم، لوط، إسماعيل، إسحاق، يعقوب، ويوسف عليهم السلام، مع استعراض البشارات التى وردت على ألسنتهم عن النبى الخاتم.

الجزء الثاني: يتناول قصة موسى عليه السلام، وصراعه مع فرعون والسحرة، إلى جانب قصة داوود وسليمان عليهما السلام، وملحمة بلقيس مع نبى الله سليمان.

الجزء الثالث: يستعرض قصص زكريا، يحيى، وعيسى عليهم السلام، وقصة أصحاب الكهف، ثم يتطرق إلى الأحداث التاريخية التى سبقت ميلاد النبى محمد ﷺ.

الجزء الرابع: يعرض بدايات الوحى، وأوائل الذين أسلموا، مثل عدى بن ظالم، وأبى ذر الغفارى، ويتناول وفاة السيدة خديجة وأبى طالب. بطولة محمود ياسين، وموسيقى التتر من تأليف محمد عبدالوهاب.

الجزء الخامس: يستكمل فترة العصر النبوى، بطولة حسن يوسف، عفاف شعيب، وإخراج نور الدمرداش.

 

«ماسبيرو زمان».. الذاكرة الذهبية للدراما الراقية

حاليًا، يُعرض المسلسل على شاشة «ماسبيرو زمان»، تلك القناة التى تُعيد إلينا الزمن الجميل بكل تفاصيله، وتحفظ لنا التراث الدرامى الذى صنع مجد الفن المصرى. فى زمن أصبحت فيه بعض الأعمال الدرامية خاوية من الإبداع، وفقيرة فى المعنى والمضمون، تأتى «ماسبيرو زمان» كذاكرة حديدية تحفظ لنا المسلسلات التى تربّت عليها الأجيال، وتحمل فى طياتها الإبداع الحقيقى، واللغة السليمة، والأداء الذى يصل إلى القلب قبل أن يصل إلى الشاشة.

«محمد يا رسول الله» ليس مجرد مسلسل دينى، بل هو تحفة فنية، وصفحة من صفحات الدراما الراقية التى يجب أن تظل حية فى ذاكرة الفن المصرى والعربي».