دراما القاع.. عندما يتحول الواقع إلى تشويه متعمد !
مع حلول شهر رمضان، يتسابق صناع الدراما المصرية إلى تقديم أعمال تجذب المشاهد، لكن يبدو أن الاتجاه العام هذا العام ليس نحو الإبداع أو التجديد، بل نحو الغوص أعمق فى قاع المجتمع، وتسليط الضوء على أسوأ ما فيه، بل والمبالغة فى تجسيده، وكأن هناك سباقًا غير معلن بين المؤلفين والمخرجين لمن يستطيع تقديم الصورة الأكثر تشويهًا للواقع المصري.
لقد كنا نشاهد دراما راقية تعكس الحالة الشعبية دون تشويه، دراما قدمت لنا صورة أصيلة للحارة المصرية، مثل «ليالى الحلمية» و«حسن أرابيسك”، التى لم تغفل قسوة الحياة، لكنها قدمتها بأسلوب يحترم عقل المشاهد ويحافظ على صورة المصرى الأصيل الجدع والشهم.. فأين نحن من تلك الأعمال التى كانت تعرض لنا “ولاد البلد” بجدعنتهم وأصالتهم، رجالًا ونساءً؟
فى هذا الموسم الرمضانى تتصدر أعمال عدة هذا المشهد المأساوي، منها مسلسل “المداح”، حيث يظهر الفنان حمادة هلال مرتديًا عمامة الأزهر الشريف، لكنه يروج لخرافات وأساطير لا تمت للواقع بصلة، فى محاولة لإضفاء الإثارة على حساب المنطق والعقل. كما أثار مسلسل الفنان محمد هنيدى الجدل الواسع، بعد أن قدم صورة مشوهة لمهنة المحاماة، وهو ما دفع قطاعًا كبيرًا من المحامين إلى تقديم بلاغ للنائب العام، معتبرين أن العمل يروج لصورة المحامى المحتال، وهو أمر يسيء لمهنة من أعرق المهن فى مصر.
.. واليوم، تحولت الدراما إلى انعكاس لأغانى المهرجانات، فأصبحت الحوارات مليئة بالألفاظ الخارجة، والمشاهد مكتظة بالقبح، سواء فى الملابس أو الديكورات أو حتى السلوكيات ،مبالغة فجة فى تصوير العالم السفلى وكأنه هو الصورة الوحيدة للواقع، وكأن مصر لا تحتوى على نماذج مشرقة تستحق أن تُروى قصصها.
ومن وجهة نظرى ان المشكلة ليست فى تقديم الواقع، بل فى المبالغة فى تشويهه، وكأن صناع الدراما يتسابقون فى تصدير كل ما هو قبيح دون أى اعتبار لتأثير ذلك على المجتمع، خصوصًا الأجيال الناشئة ، فالدراما ليست مجرد ترفيه، بل وسيلة لتشكيل الوعى وتقديم القدوة، وهذا ما نجحت فيه الدراما المصرية فى الماضي.
وإذا لم يكن ذلك كافيًا، فإن برامج المقالب والإهانة المدفوعة الأجر ما زالت تحتل شاشات رمضان رغم ما يمر به العالم والمنطقة من أحداث سياسية كبرى، فمن غير المفهوم أن تستمر هذه البرامج، حيث ت بنى فكرتها على إذلال الضيوف مقابل تعويض مادي، وكأن الكرامة أصبحت سلعة تُشترى وتُباع ، كل ذلك يحدث رغم الأحداث السياسية والاقتصادية الجسيمة التى يمر بها المجتمع، وكأن المطلوب هو إلهاء الناس بمحتوى سطحى يرسخ لثقافة الاستهلاك والتفاهة بدلاً من تقديم أعمال تثرى وعيهم وتناقش قضاياهم الحقيقية.
فى النهاية، يبقى السؤال: من المسؤول عن هذا التدهور؟ هل هى الرقابة التى تتساهل مع هذه الأعمال؟ أم القنوات التى تسعى فقط لتحقيق المشاهدات؟ أم الجمهور الذى أصبح ينجذب إلى هذه النوعية من الدراما؟
ما نحتاجه اليوم هو وقفة حقيقية لإعادة التوازن إلى المشهد الدرامي، والعودة إلى أعمال تحترم عقول المشاهدين وتقدم صورة متزنة للواقع، لا أن تكرس لثقافة القاع والمبالغة فى القبح تحت شعار الواقعية.
لا أحد يطلب مسلسلات مثالية بعيدة عن الواقع، ولكن المطلوب هو تقديم محتوى يحترم عقل المشاهد، ويراعى ثقافة المجتمع، ويعكس حقيقته دون تشويه متعمد، فهل يمكن أن نشهد عودة قريبة لدراما تحمل القيم بدلاً من أن تكرس للانحطاط؟ هذا هو السؤال الذى ينتظر إجابة من صناع المحتوى، قبل أن يفقد المشاهد ثقته تمامًا فى الشاشات المصرية.