قضية ورأى
أزمة العالم الحر
«اليوم، أصبح واضحًا أن العالم الحر يحتاج إلى زعيم جديد. الأمر يعود لنا نحن الأوروبيين لقبول هذا التحدى»، بهذه العبارة لخصت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبى كايا كالا، أزمة الثقة الداخلية بين دول المعسكر الغربى، أو ما ارتضته اسمًا «العالم الحر».
فلطالما كانت السهام تطال العالم الحر، من خارجه.. والآن لم تعد سهامًا خارجية، وإنما زلازل داخلية ولحظة مفصلية.
فأوروبا تشكك فى زعامة الولايات المتحدة الأمريكية للمعسكر الأقوى فى العالم، والذى خرج منتصرا على هتلر والنازية، وظل متماسكا فى وجه السوفييت، إلى أن أصبح سيد العالم بلا منازع، اقتصاديا وعسكريا وثقافيا.
ظهر مصطلح «العالم الحر»، خلال الحرب الباردة، ويشير إلى الدول التى تتبنى الديمقراطية الليبرالية والاقتصاد الرأسمالى. ومع ذلك، فإن هذا المصطلح ليس محايدًا، بل يحمل فى طياته دلالات أيديولوجية وتاريخية معقدة.
تعود جذور مصطلح «العالم الحر» إلى الخطابات التى ألقاها رئيس الوزراء البريطانى الأشهر، ونستون تشرشل خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها.
وبعد خطاباته النارية ضد هتلر والنازية، عاد واستخدم المصطلح فى خطابه الشهير «الستار الحديدى» عام 1946، للإشارة إلى الدول الغربية التى تقف فى مواجهة الاتحاد السوفيتى الشيوعى.
كان تشرشل يرى أن هذه الدول تشترك فى قيم الحرية والديمقراطية وحكم القانون، وأنها تتحمل مسؤولية الدفاع عن هذه القيم فى مواجهة التهديد الشيوعى.
وخلال الحرب الباردة، أصبح مصطلح «العالم الحر» جزءًا أساسيًا من الخطاب السياسى الغربى. استخدمته الولايات المتحدة وحلفاؤها لتبرير سياساتهم الخارجية، بما فى ذلك التدخل فى شئون الدول الأخرى ودعم الأنظمة الاستبدادية المناهضة للشيوعية.
ومع ذلك، فإن هذا المصطلح تعرض لانتقادات واسعة، حيث اعتبره البعض مجرد غطاء أيديولوجى لمصالح القوى الغربية. كما أن العديد من الدول التى تم تصنيفها كجزء من «العالم الحر» كانت تعانى من انتهاكات لحقوق الإنسان وقمع للحريات.
ولعل أخطر أزمة ثقة عشناها نحن المصريين تجاه هذا المعسكر، كانت رغبته المتكررة فى حماية إسرائيل عسكريا سياسيا، وانخراطه المباشر فى الصراع ضدنا فى حروب ٤٨ عبر بريطانيا، و٥٦ عبر بريطانيا وفرنسا، و٦٧ بالسلاح الأمريكى، و٧٣ عبر الولايات المتحدة الأمريكية أيضًا التى كانت سببا رئيسيا فى الثغرة وتطويق الجيش الثالث.
هذه النزعة الاستعمارية والرغبة فى حماية القوى الاستعمارية كإسرائيل، هى التى قوضت الثقة المصرية مبكرا فى معسكر العالم الحر.
وخلال السنوات الأخيرة، أثار الرئيس الروسى فلاديمير بوتين جدلًا واسعًا بتصريحاته حول «العالم الحر»، إذ يرى بوتين أن النظام العالمى الحالى غير عادل، وأن الغرب يسعى إلى فرض قيمه على بقية العالم.
كما انتقد بوتين ما يعتبره ازدواجية معايير الغرب فى التعامل مع قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية. ويرى أن روسيا والصين ودول أخرى تشكل بديلًا للعالم الحر الغربى، وأنها تسعى إلى بناء نظام عالمى متعدد الأقطاب.
وقبل يومين، قال نائب رئيس مجلس الأمن الروسى دميترى مدفيديف ردا على مفوضة الاتحاد الأوروبى لشؤون الخارجية كايا كالاس، إن العالم الحر فعلا بحاجة لزعيم جديد، وهو موجود واسمه فلاديمير بوتين.
وهكذا أصبح مصطلح «العالم الحر» مثيرًا للجدل، ولا يوجد إجماع حول معناه أو أهميته. ومع ذلك، فإنه يظل جزءًا أساسيًا من الخطاب السياسى العالمى.
إنها أزمة ثقة عميقة، تعكس تحولات عالمية أعمق، ربما تكون معها نهاية زعامة العالم الحر للعالم.
نهاية إلى الأبد