بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

ماذا حدث للمصريين؟

 

 

” أشنع ما في الأمر هو أن الفظاعات أصبحت لا تهز نفوسنا، هذا التعود على الشر هو ما ينبغي أن نحزن له حقا”

 

ديستوفيسكي

 

 

 

في الأسابيع القليلة الماضية مر على المجتمع المصري أكثر من حادثة من حوادث العنف الأسري التي وصفت بالشنيعة كان ضحيتها المرأة المصرية من دون أن تهز لنا جفناً أو تحرك فينا ساكن،تلك الجرائم التي تعد مؤشرا خطيرا لما يمكن أن ينقاد إليه المجتمع وتجعلنا نقف لندرس ونفكر كيف نواجه تلك الجرائم ليس بسلطة القانون وحدها لكن بوعي المجتمع إذ كنا نطمح إلى مستقبل خال من العنف بكل أشكاله.

 

 

 

بدأت الحوادث بمقتل المصرية آية عادل في الأردن بعدما وثقت كاميرات المراقبة مشاهد سقوطها من شرفة منزلها بالدور السابع بعدما أثبتت تقرير الطب الشرعي وجود آثار التعذيب على جسدها بعضها تم باستخدام آلة حادة مع وجود بعض آثار الحروق في جسدها قبل السقوط وتأكيد أهل الضحية على الخلافات المتكررة بينها وبين زوجها الأمر الذي دفعها لطلب الطلاق

 

تبعها حادثة أخرى مشابهة شهدتها مدينة السلام في القاهرة لزوج ألقى زوجته من الدور الثالث بعدما شك في سلوكها إذ أقدم الزوج على إلقاء زوجته بعدما نشبت مشادة كلامية بينهم .

 

 

 

والحادثة الثالثة والتي لا تقل مأساوية عن تلك الحادثتين شهدتها مدينة شبين في المنوفية حين أقدم زوج بطعن زوجته بسكين أمام المارة في وضح النهار بعدما رفضت الزوجة العودة معه إلى منزلهما الكائن بمحافظة الجيزة

 

كل هذا وأكثر مما لا يصل إلى مسامع الإعلام ولم نعرف عنه شيئا يجعلنا نتساءل كيف تسلل كل هذا العنف إلى المجتمع المصري تجاه المرأة، الأمر

 

تجاوز التحرش والاغتصاب إلى القتل إذا أبدت المرأة رغبتها في الرفض,

 

ما الذي تسرب وتخلخل في العقل الجمعي فجعلنا ننظر إلى المرأة بهذا الشكل الهمجي والمهين، قبل أن نجيب عن هذه التساؤلات سوف أضعك أمام مجموعة من الحقائق، أولها حين قدمت الأمم المتحدة تقريرها بشأن حقوق الإنسان ونشرت من ضمنه دراسة عن جرائم التحرش الجنسي والعنف ضد المرأة في العالم جاء فيه

 

إن ٩٩٪ من الفتيات في مصر قد تعرضن للتحرش بصورة أو بأخرى ناهيك على أن ٨٤٪ من الفتيات أنفسهن يظنون بأن ملابسهن التي تبدو مثيرة في بعض الأحيان دافع مهم من دوافع التحرش، كما أشار التقرير السنوي للمجلس القومي للمرأة عام 2023 إنه استقبل العديد من شكاوى العنف ضد المرأة أبرزها الضرب وجرائم الخطف والختان وإجهاض الحوامل والكثير من جرائم الاغتصاب وهتك العرض والزواج المبكر .

 

. هذه أرقام وحقائق إذا وضعتها بجانب الحوادث الثلاثة السابقة الذكر ربما تدرك مدى حجم المشكلة وربما تجد تفسيرا بأن هذه الجرائم التي تطفو على السطح بين حين وآخر أن دلت على شيء فإنها تدل على أن قاع المجتمع قد امتلي وفاض ،

 

ولكن نعود إلى السؤال نفسه الذي طرحناه سابقا إذ  كيف اتجه المجتمع المصري إلى كل هذا العنف ضد المرأة ما هي دوافع الشباب للتحرش والاغتصاب وربما القتل أحيانا؟

 

 

 

حين نتحدث عن قضايا العنف ضد المرأة نشعر بحرج شديد لأنك تناقشها في القرن الواحد والعشرين ولكنها ظاهرة لها دوافعها بالطبع وهناك عوامل عديدة أدت إلى أن تتغير نظرتنا إلى المرأة من كونها شريك حياة للرجل ومعين نظير له إلى كونها مجرد أداء لإشباع رغباته

 

أول هذه العوامل الذي ساعد على ترسيخ هذا المفهوم عن المرأة، كان بالطبع تفشي أفكار  الحركات الراديكالية مطلع السبعينات، فهو العامل

الأهم والأكبر والاكثر خطورة في تغيير نظرة المجتمع للمرأة، ففي مطلع القرن العشرين مثلا  وجدنا المجتمع المصري ينظر بإجلاء واحترام للمرأة المصرية ومشاركتها العظيمة في ثورة ١٩١٩ وينظر بإجلال عظيم إلى  بعض أمثلة المرأة الفاعلة في المجتمع كسميرة موسى والسفيرة عزيزة وغيرهن الكثير من الأمثلة ،

 

نفس هذا المجتمع حين بدأت الجماعات الراديكالية في الظهور والتفشي خصوصا بين طبقات المجتمع الفقيرة والمناطق الأكثر شعبية  بدأ البعض يقتنع بتهميش دور المرأة في المجتمع وبدأت تتعالى نظرات الدونية وعدم الاستحقاق للمرأة باعتبارها أقل من الرجل وربما اجتهدت هذه الحركات في تحميل المرأة الضحية جزء من الإحساس  بأنها سبب الجريمة, مثلا على ذلك عوضا عن تحريم التحرش وتجريمه بدأت تلقي باللوم على ملابس السيدة الضحية لكن كما ذكرت إذا حملنا الجماعات الراديكالية وحدها مسؤولية ما تعانيه المرأة اليوم من عنف وتحرش نكون قد اجتزاءنا جزء من الحقيقة ولم ننظر الحقيقة كلها .

 

وإذا أردنا أن نمعن في الملاحظة وننظر نظرة موضوعية مجردة إلى هذه الظاهرة وهي العنف ضد المرأة فلا يمكن أن نبرئ المؤسسات الثقافية نفسها مسؤوليتها ليس فقط بالتقصير في المواجهة ولكنها أيضا بصورة أو بأخرى نراها من دون وعي قد شاركت في هذه الظاهرة وربما يكون أحد أهم وسائل الثقافة الشعبية هي السينما والتلفاز والأفلام المعروضة على الشاشات والتي تمثل احتكاكا مباشرة مع عقل المشاهد وربما تؤدي دورا مهما في تشكيل عقله. 

 

فالسينما حين كانت في مهدها مطلع القرن العشرين نجدها قد دافعت عن المرأة واستماتت في الدفاع عنهوفي تغيير بعض المفاهيم الريفية المغلوطة التي تساهم في العنف ضد المرأة، ففي عام ١٩٢٧ عرض فيلم ليلى تلك الفتاة الريفية البسيطة التي تعرضت للاغتصاب وبالتالي حين ظهر عليها آثار الحمل قد طردتها أهلها من الواحة هروبا من الفضيحة فالفيلم في مجمله ينتقد تصرف الأهل وينتصر للمرأة لأنها الضحية

 

وعلى هذا المنوال أيضا فيلم فاطمة الذي دافع باستماته عن قيمة المرأة العاملة وأنها لا تقل في كفاءتها أبدا عن الرجل في مجال العمل بل وأحيانا تتفوق عليه، أما أعظم ما قدمت السينما المصرية في منتصف القرن العشرين انتصارا لقضايا المرأة فيلم دعاء الكروان المأخوذ من قصة العبقري طه حسين، حيث تعرض الفيلم من النواحي كلهم للقهر الواقع على المرأة، في شخصية زهرة المرأة الريفية الهاربة من قريتها

ببناتها الاثنتين بعد اتهام زوجها بهتك عرض بعض فتيات القرية لتتحمل زوجته نتيجة خطئه وتهرب من القرية بصحبة بناتها، لتقع إحدى بناتها فريسة لإغواء سيدها مهندس الري ليوقع بها وبالتالي يقتلها خالها إلى آخر قصة الفيلم   تجد نفسك في نهاية الأمر شديد التعاطف مع الفتاتين والأم من شدة الظلم الواقع عليهما وتجد نفسك في نهاية الأمر منتصرا للضحية عن علي حساب القاتل وليس العكس. 

 

ولكن للأسف حين برزت صورة سينما الشباك أو سينما ما يطلبه الجماهير، وهبط ذوق الفن باعتبار أنه يقدم المجتمع بصورته كما هي دون معالجة أخطاء هذا المجتمع ودون إظهار الحد الفاصل بين الخطأ والصواب وبين   بما يحدث وبما لا ينبغي أن يحدث وحين أصبح الهم الشاغل لمنتجي الأفلام هو جمع الأموال على حساب ثقافة المجتمع رأينا أفلاما تقدم إسفاف في صورة فن فها هي المرأة التي تنتظر الفرصة السانحة لكي تخون زوجها بقلب مستريح، وكم كبير من المشاهد التي تمارس فيها عنفا وضربا وقتلا للمرأة في الأفلام لأتفه الأسباب، كل ذلك ساعد على ترسيخ أفكار العنف ضد المرأة التي تحدث يوميا وربما لا يشعر مرتكبوها بأي نوع من أنواع تأنيب الضمير من كثرة ما رسخ في العقل الجمعي من صورة كاذبة ومغلوطة.

 

في نهاية الأمر وجب الإشادة بدور الدولة المصرية في السنوات العشر الأخيرة بالذات في تعزيز حقوق المرأة ومكافحة كل أشكال العنف والتمييز ضدها حيث أولى الرئيس بنفسه متابعة برامج مدروسة ومتخصصة تهدف إلى ضمان حقوق المرأة باعتبارها أهم ركائز سلام المجتمع حيث حرصت الدولة على سن قوانين تجرم العنف وتعمل على تحقيق مزيد من المكاسب للمرأة المصرية وطرح برامج طموحة تهدف إلى تعزيز حقوق المرأة وبث برامج تثقيفية وتوعوية لمجابهة كل أشكال العنف ضدها وتعزيز ثقافة المساواة والاحترام كما هدفت البرامج التي تبثها الدولة أيضا الاهتمام بصحة المرأة من خلال حملة مية مليون صحة وطرح رؤية مصر 2030 لتمكين المرأة المصرية ومجابهة كافة أشكال العنف ضدها .لنتجه أكثر إلى دولة مصرية حديثة تكون المرأة قد حصلت فيها على كافة حقوقها ونتجه أكثر ناحية مجتمع أكثر صحة من ذي قبل بفضل وعي الدولة المصرية وحصرها على تقدم المجتمع بكل أضيافه.