الزاد
رمضان زمان حاجة ثانية
كل عام وأنتم بخير، ورمضان كريم على الجميع...
رمضان ليس مجرد شهر تمر فيه الأيام، بل هو لوحة فنية تروى قصص الماضى الجميل وتعيد إلى الأذهان ذكريات الزمن الذى كان فيه كل شىء ينبض بالبساطة والدفء. فى ذلك الوقت كانت الليالى تحمل عبق التاريخ وروح الأصالة، وكانت اللمة تجمع شمل الصحبة والأصدقاء فى جو من المودة والحنين.
فى تلك الأيام، كان صوت الشيخ محمد متولى الشعراوى يصاحبنا فى الأرجاء، ينثر الحكم والمواعظ فى أجواء روحانية تنير العقول وتفتح قلوب الناس للنور. ومع اقتراب موعد الإفطار، كان الشارع يكتسى بحلة رمضانية لا تُنسى؛ الفوانيس المضاءة تتدلى من الشرفات، والأطفال يلهون بها فى الأزقة، بينما زينة رمضان الملونة تزين الحارات وتتمايل مع نسمات المساء، تضفى على المكان أجواءً من البهجة والفرح.
وعندما يحين وقت المغرب، كان الأذان بصوت الشيخ محمد رفعت أو نصر الدين طوبار ينساب فى الشوارع، ليعلن لحظة الإفطار، فتتوقف الحركة لحظات احترامًا لهذا الصوت الذى يملأ القلوب بالسكينة. يلى ذلك ابتهالات الشيخ النقشبندى، التى ترفع الأيادى بالدعاء وتملأ الشارع بروحانيات لا توصف، وكأن الزمن يتوقف وهلة، ويعود كل شىء إلى أصله النقى، البسيط، الصادق.
على الأرصفة، كانت البراميل الكبيرة مصطفة أمام محلات الطرشى الشهيرة، حيث يتجمع الناس لاختيار أطيب الأنواع، وإلى جوارها، كان الباعة يرصون زجاجات العرقسوس والتمر الهندى وقمر الدين، بألوانها التى تمثل لوحة فنية، مع ضوء الفوانيس الصغيرة المعلقة أمام المحلات، فى مشهد لا يغيب عن الذاكرة.
وفى الأزقة، كانت النسائم تحمل رائحة الخبز الطازج والكنافة البلدى، بينما يقف الأطفال حول بائع الفوانيس وهو يغنى «حلو يا حلو... رمضان كريم يا حلو»، فتتردد الأغنية فى أرجاء الحارة، تذيب الفوارق بين الأجيال، وتعيد الكبار إلى طفولتهم.
الفن فى رمضان دائما حاضر، يكمل اللوحة الرمضانية الجميلة، بعد الإفطار، كان التليفزيون يقدم لنا الدراما المصرية، التى لا تزال خالدة فى الذاكرة. كانت فوازير رمضان، سواء تلك التى قدمتها نيللى أو شيريهان أو حتى سمير غانم فى «فطوطة»، مصدر بهجة وإعجاب للجماهير وتجمع العائلة حول شاشة التليفزيون. ثم يأتى سحر «ألف ليلة وليلة» حيث كانت قصص مشكاح وريما تأخذنا فى رحلة عبر عوالم الخيال، وتعيد إلى الأذهان قيمة القصص والحكايات التى كانت تبث روح التآلف والوحدة بين أفراد الأسرة.
ولا ننسى الأعمال الدرامية التى أثرت وجدان المشاهد، مثل «ليالى الحلمية» و«رأفت الهجان» و«دموع فى عيون وقحة»، تلك الدراما التى جمعت بين الكلمة الطيبة والمواقف الوطنية المؤثرة، لتصبح جزءاً من تراثنا الفنى والثقافى.
لم يخلُ رمضان من الوعى الدينى الراسخ؛ فقد كانت كلمات الشيخ جاد الحق تصدح فى القاعات والمساجد، وفتاوى الشيخ سيد طنطاوى تعكس روح العدل والتسامح، ما جعل للأزهر مكانة راسخة فى قلوب المؤمنين. كانت تلك الفترات زمنًا للعودة إلى القيم والمبادئ، بعيدًا عن الزخرفة السطحية والمواد الترفيهية العابرة، لتكون لحظات تأمل وحوار مع الذات ومع الله.
وفى أواخر ساعات الليل، كان صوت المسحراتى سيد مكاوى يدعو الجميع للسحور، تاركًا أثره الذى يعيدنا إلى ذكريات الطفولة حيث كنا نستيقظ على صوته العذب الذى يحمل بين نغماته حكايات من الزمن الجميل. كان كل شىء فى رمضان آنذاك بمثابة احتفال بالحياة، بدءاً من اللمة العائلية وحتى البرامج التليفزيونية والأصوات التى لا تنسى.
رمضان بطعم الزمن الجميل هو ذاك الشهر الذى يجمعنا على قيم المحبة والأصالة والحنين إلى الماضى، حيث لا تزال الذكريات العطرة تصنع الفارق فى قلوبنا.
كل عام وأنتم بخير، ورمضان كريم.