بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

موت بارد

بوابة الوفد الإلكترونية

من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.

"سمية عبدالمنعم"

يغادرنى الدفء الذى اعتدته من صاحبى، لقد غادرنى منذ أن غدر بى مقابل سعر زهيد، وهكذا سلمنى لشخصٍ آخر بلا وداع وبلا تأثر.
أمضى معه، ولا أعرف ماذا سيكون مصيرى... وسرعان ما غاصت عينى فى الظلام، ثم وجدتنى محاطاً بعدد كبير من الناس، أرى الانبهار يطفح على ملامحهم كأنهم يرون شيئاً لم يروه من قبل. 
لا أكاد أشعر بجسدى، أما رأسى فكأنها سقطت فى محجرى من كثرة إمساكهم بى، وبقيت على هذه الحال مدة من الزمن، حتى قرروا وضعى بداخل غرفة صغيرة غير مسقوفة، لكنهم رتبوها بشكل مثالى ذكرتنى بالبيئة التى أتيت منها، وفى عدة لحظات فقط تكوّن لدى دفء جديد أنسانى ذلك القديم، تصلنى أصواتهم وهى تتداخل فى قلق وتساؤل: 
الشتاء قد اقترب، وهذا الغطاء لن يفعل شيئًا.
عندما يأتى، سنجهز له غرفة محكمة الإغلاق!
أسمعهم يتجادلون كل ليلة بشأنى، فلا يتذكروننى ولا يتذكرون ذلك الغطاء الذى اتخذوه بديلاً للسقف، إلا عندما تدب البرودة فى أوصالهم. 
الدفء الذى اعتدته منهم بدأ يغادرنى، لقد نسوا أمرى أو بالأحرى نسوا أننى مختلف وهش، يكتفون بوضع الأكل والماء لى وهذا كل شيء، أما ذلك الغطاء – الذى كانوا يظنون أنه يفى بالغرض لتدفئتى – فكان كحجاب رهيف بين الموت والبقاء. 
ما زالت أياديهم تعبث بى كما هى، يخرجوننى صباحاً، حيث دفء الشمس ويعودون بى إلى منزلى وقت الغروب، حتى صرت كأى طقس يومى لهم... تترامى إليّ تساؤلاتهم القلقة:
أرأيته يأكل من قبل؟
لست متأكداً، لكنه يزداد نحافة، أحسبه مريضاً.
أعتقد أنه يشعر بالبرد مثلنا! 
ليس لى صوت لكى أضحك، وحتى لو كان لى لما استطعت الضحك. اليوم خطفونى من أحلى سبات ودفء ليلقوا بى فى شمسهم الباردة، كانت هزيلة مثلى تماماً، أشعر أننى قد وصلت لآخر نفس فيّ، تنسحب روحى ببطء بعد أن تيبست أطرافى على مدار أيامٍ، وهم فى عالم آخر، حيث دوائر تدور بهم ما بين الأمس واليوم، وبينهما أضيع أنا ويضيع معى معنى الحياة. 
تنتفض أطرافى، تدور عيناى فى محجريهما، ألاحق أنفاسى الباردة لئلا تهرب منى، أتذكر سخريتهم عندما علموا بأن جنسى معمّر، وأننى سأبقى حتى أشهد موتهم... أقاوم لأدخِل رأسى، ربما سوف تنجدنى صدفتى، لكننى أجدها قد استسلمت للصقيع، فأنام فى حضنها منكمشاً علَّنى أحلم بلحظة دفء واحدة.