بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

ناى الذكريات

بوابة الوفد الإلكترونية

من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.

"سمية عبدالمنعم"

اخترت مقعدى المعتاد فى الأتوبيس بجوار النافذة، أتطلع دوماً لمراقبة الشارع وما يضج به من ماريه المعتادين، أشعر معهم بالحياة تتدفق بين أوردتى، أصبحت تلك الحياة هى منفذى الوحيد فى الأعوام الأخيرة!
صعد شاب فى مقتبل العشرينيات، يحمل بين يديه ناياً، جلس إلى جوارى، تعلو وجهه ابتسامة مشرقة وهو يتفحص الناى، يبدو وكأنه قد اشتراه للتو، تذكرت أيام طفولتى وصباى حين كنت أتعلم عزف الناى فى حصص الموسيقى، كلما استرجعت تلك الذكريات شعرت أنها كانت أفضل أيام حياتى التى أهدرتها فى تمنى انقضائها، ظناً منى أن حياة الكبار ستكون أسهل وأحلى وأمتع! تأملت ذلك الشاب الصغير الجالس إلى جوارى وأنا أتمعن نظرات الشغف تملأ عينيه، تلك النظرات التى فقدتها منذ زمن خلال رحلة حياتى الطويلة.
بدأته بالكلام، طلبت منه أن يعزف لحناً، أخبرنى أنه اشترى الناى للتو؛ لأن حبيبته تعشق الموسيقى، وهو يود أن يعزف لها لحناً يفاجئها به، ولكنه لم يتعلم شيئاً بعد، طلبت منه الناى، أعطاه لى، لمست شفتاى ميسم الناى لأول مرة منذ سنوات لا أذكر عددها، منذ أخبرنى زوجى أنه لا يرغب فى سماع مزمار الشيطان فى بيته! فشلت فى إقناعه بحبى للموسيقى كما فشلت فى إقناعه بالكثير من الأمور، عزفت لحناً يتيماً ما زلت أذكره من أيام الدراسة.
أغمضت عينى، رأيته ماثلاً أمامى، يرتدى زيه المدرسى الكحلى وينتظرنى على باب المدرسة؛ ليحملنى على دراجته إلى أقرب مكان لمنزلى، تلك اللحظات البريئة التى كنا نسرقها من سنوات عمرنا الصغيرة، إلى أن رآنا أبى ذات يوم، لم أره ثانية بعدها، ولم أخرج من المنزل إلا فى عربة زفافى، دمعت عيناى وأصابعى ما زالت تداعب ثقوب الناى وفمى ينفخ فيه من روحى، أنهيت لحنى، فتحت عينيّ لأجد الركاب تجمعوا حولى وبدأوا فى التصفيق.
طالبنى الشاب الصغير بأن أعزف لحناً ثانياً وأعلمه إياه، أخبرته أننى لم أعد أذكر ألحاناً أخرى، بل إننى فوجئت بتذكرى هذا اللحن، فأصابعى وشفتاى لم تلمس الناى منذ سنوات طويلة، تحسر على ضياع موهبتى، طلبت منه ألا يخسر شغفه فى يوم من الأيام، وصل الأتوبيس إلى وجهته، نزل ركابه ونزلت معهم، ولكننى كنت غير تلك التى ركبت، فربما يكون هناك شىء فى الحياة ينتظرنى غير ركوب الأتوبيسات وتأمل الحياة خارجها!