بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

حالة طلاق كل دقيقتين والظروف الاقتصادية السبب:

الغلاء «خرب» بيوت المصريين

بوابة الوفد الإلكترونية

غادة: نتشاجر أنا وزوجى لأتفه الأسباب.. وأخشى ألا أستطيع دفع مصاريف المدارس

سحر: زوجى يعمل بالسعودية وما يرسله لا يكفى لسد احتياجتنا الأساسية

أحمد: أعمل فترتين والدخل لا يكفى... ومحمد: أبنائى يعملون فى الإجازة لتوفير مصاريفهم وراتبى الـ6 آلاف جنيه لا تكفى شيئاً

خبراء: اتفاق الزوجين على إدارة دخل الأسرة ضرورة لتفادى الخلافات

لم يعد تأثير نار الأسعار مقصوراً على حرق جيوب المصريين فقط، بل امتد أثرها إلى بنيان الأسرة المصرية الذى أصبح مهدداً بالخطر بسبب غلاء المعيشة، فمع كل ارتفاع فى أسعار السلع يزداد معدل الخلافات بين الأزواج، وهو ما ينعكس بدوره على صحتهم النفسية وصحة أطفالهم، حيث أصبحت الأسعار والضغوط المادية هى السبب فى معظم الخلافات الزوجية، والتى تحولت من مجرد نقاشات عابرة إلى مشاجرات وضرب وطلاق أحياناً.

وأكد الخبراء أن زيادة الضغوط النفسية الناتجة عن الظروف الاقتصادية تعزز مشاعر الإحباط لدى الزوجين، وهو ما يزيد من الخلافات بينهما، وهنا تظهر الحاجة الملحة لتطوير لغة المناقشة لمواجهة هذه التحديات، من خلال الحوار والتفاهم بين الأزواج، ودعم بعضهم البعض لتخطى الأزمات فالحياة الزوجية تتطلب الصبر والمرونة، وقد يكون من الضرورى البحث عن حلول مبتكرة للتكيف مع الواقع الجديد، لتعزيز الروابط الأسرية فى ظل الظروف الصعبة.

الغلاء والاستغلال أصبحا أسلوب حياة فى مصر، وهو ما بات يهدد الحياة الاسرية، فكلما ارتفعت الاسعار ارتفعت معها الأصوات داخل البيوت المصرية، ولم تعد هذه النوعية من الخلافات مقصورة على محدودى الدخل فقط بل امتدت للأسر الغنية أيضا، فالجميع فى المعاناه سواء، والسؤال الذى يدور فى أذهن الجميع هو: إلى متى ستستمر هذه المهزلة؟ فكل يوم يمر يشهد المواطنون ارتفاعًا جديدًا فى الأسعار، ما يضطرهم إلى التفكير فى كيفية تدبير احتياجاتهم الأساسية فقط، وهو ما رصدته «الوفد» فى كثير من البيوت المصرية

غادة امرأة فى أواخر الثلاثينيات، تعيش مع زوجها وولديها حياة كانت تسير بشكل طبيعى قبل أن تتغير الظروف الاقتصادية، كان زوجها يعمل فى قطاع السياحة لكن مع تدهور هذا القطاع تزايدت الضغوط المالية والمشاكل الزوجية بشكل غير محتمل.

ومع غياب الاستقرار المالى تتكرر المشاجرات بينها وبين زوجها، ما يجعل الأهل والجيران يتدخلون فى شؤونهما. وأحياناً تلجأ والدتها لمساعدتها لتوفير احتياجات المنزل، ما يزيد من حالة الإحباط التى تعيشها.

وتقول غادة: «كنا نخطط لمستقبل أفضل لنا ولأبنائنا، لكن الأزمات غيرت كل شىء نتجادل حول الأمور المالية بشكل يومى، وهو يؤثر على الأولاد أيضًا، فلم أعد أستطيع تحمل كل هذا الضغط. الأسعار فى ارتفاع مستمر، وكل يوم أشعر وكأننا نغرق أكثر. كيف يمكن أن نعيش فى ظل هذه الظروف؟» فدخل زوجى لم يعد يكفى لتغطية الاحتياجات الأساسية للمنزل، وأنا اضغط على نفسى لتوفير متطلبات الأبناء، ولكن هذه الحالة من الضغط المستمر تجعلنا ننفجر فى بعض الأحيان ونتشاجر لأتفه الأسباب

وتعبر غادة عن قلقها المتزايد بشأن مستقبل أولادها قائلة: «مصاريف المدارس واحتياجات الأولاد تضغط علينا بشدة، والوضع أصبح مخيفًا، وأخشى ألا أستطيع توفير مصاريف المدارس لهم بعد ذلك وهذه ستكون كارثة»

وتتساءل غادة: «إلى متى سنظل نعيش بهذه الطريقة؟ هل من الممكن أن يتحسن الوضع؟» يعكس هذا السؤال أملها المستمر فى تغيير الظروف، فرغم كل ما تعانيه لديها رغبة قوية فى توفير حياة كريمة لأبنائها.

الأمر لم يختلف كثيرًا عن سحر ربة المنزل التى تربى ثلاثة أبناء، فهى تعيش صراعًا مستمرًا بسبب الظروف الاقتصادية، فزوجها يعمل حرا، وليس له دخل ثابت وبالتالى فهذا الدخل غير مضمون، وأدى ذلك إلى غياب ميزانية ثابتة للأسرة، مما دفعهم لتقليص العديد من أولويات الإنفاق.

وفى محاولة لتحسين الأوضاع سافر زوجها إلى السعودية بحثًا عن فرصة عمل أفضل، لكنه واجه نفس التحديات التى كان يعانى منها فى مصر، وعندما تطلب منه العودة، يجيب: «كيف سأعيش أنا وأنت والأولاد؟» وهو لا يدرك المعاناة التى تواجهها.

تعيش سحر معاناة يومية مع الغلاء، كما يعانى أبناؤها من ضعف ارتباطهم بوالدهم، حيث لا يرسل المبالغ التى تعوضهم عن غيابه، مما يزيد من شعورهم بالحزن والاكتئاب.

بنشتغل نهار وليل ومش عارفين نعيش.. قالها أحمد سعيد، الذى يعمل فى إحدى الشركات الخاصة، مشيرا إلى أنه خلال السنوات الماضية كان يعمل عملا إضافيا لزيادة دخله للادخار لأبنائه، إلا أنه حاليًا ومع غول الأسعار أصبح يحتاج لـ 3 أعمال فى نفس الوقت لكى يستطيع أن يسد احتياجات أسرته، مشيرا إلى ان الخلافات زادت بينه وبين زوجته فى الفترة الأخيرة بسبب ارتفاع الأسعار وعدم قدرته على تلبية كل احتياجات المنزل.

والتقط أطراف الحديث محمد منصور، الذى قال إن دخله 6 آلاف جنيه ولديه أربعة أبناء ولا يستطيع أن يكفى احتياجات المنزل، ونظرا لتزايد الخلافات بينه وبين زوجته وأبنائه دفع أبناءه للعمل ومساعدته فى الإنفاق على المنزل.

وتابع: «عيالى كلهم بيشتغلوا فى الإجازة عشان يوفروا مصاريفهم ويشيلوا من عليا الحمل شوية»، واستكمل حديثه بالقول إن ابنه الأكبر أصبح يعمل باستمرار فى الإجازة والدراسة أيضا وهو ما ساعد الأسرة إلى حد ما على إدارة الحياة بمصاعبها.

عم حنفى، سائق تاكسى منذ أكثر من 30 عامًا، يعبر عن قلقه على أبناء قائلا: «زمان كان الطعام متوفر وبأسعار فى متناول يد الجميع، ولكن الآن أصبح الغلاء يجبرنا على التفكير مرتين قبل شراء ما نحتاجه».

يواجه عم حنفى ضغوطًا اقتصادية متزايدة، حيث يشكو من ارتفاع الأسعار الذى يؤثر على قوت يومه. مضيفا: «عندما كنت شابًا، كان بإمكانى توفير قوت يومى بسهولة، أما الآن، فحتى وجبة بسيطة مثل الجبنة والبيض بقت مكلفة.

وتساءل عم حنفى: كيف يمكن أن أعمل وأنا فى سن السبعين طوال اليوم، فمع ارتفاع الأسعار أشعر بأننى أتعب دون جدوى، فالظروف أصبحت صعبة على الجميع، وشقا اليوم كله يضيع فى شراء الطعام وحتى العلاج أحياناً لا أستطيع شرائه، ومع ذلك لا يمكننى الاستسلام فلابد من مواصلة العمل حتى أستطيع أن أوفر لأبنائى «لقمة العيش» أما مستقبلهم فهو بأيدى الله.

توتر الأجواء داخل الأسرة

الدكتور شريف الراعى، رئيس قسم الإرشاد النفسى بقطاع المدن الجامعية بجامعة عين شمس

وتعليقاً على هذا، قال الدكتور شريف الراعى، رئيس قسم الإرشاد النفسى بقطاع المدن الجامعية بجامعة عين شمس، إن مصر شهدت فى السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا ومستدامًا فى الأسعار، ما أثر بشكل كبير على معيشة الأسر وأدى إلى تغيير نمط حياتهم، وهو ما انعكس بدوره على توتر الأجواء الأسرية وخلق بيئة خصبة للخلافات بين الأزواج، حيث يعد غلاء الأسعار من أبرز أسباب الطلاق وارتفاع معدلات العنف الأسرى.

وأشار الراعى إلى أن التقارير تشير إلى أن هناك حالة طلاق كل دقيقتين فى مصر، ما يسلط الضوء على أزمة حقيقية تواجه الأسر المصرية فى السنوات الأخيرة، فالتضخم وارتفاع الأسعار والوضع الاقتصادى الراهن يمثل عاملاً رئيسياً فى زيادة معدلات الطلاق لدى العديد من الأسر، فنحن نعيش فى مجتمع تسوده النزعة المادية، حيث تزايدت الرغبة فى تحقيق الذات على حساب العلاقات الإنسانية، والتى بدورها أدت إلى تدهور العلاقات الزوجية، ونتيجة لذلك ارتفعت معدلات الانفصال وزادت المشكلات داخل الأسرة مثل النفقة والعنف وغيرها.

وأضاف أستاذ الإرشاد النفسى أن كثيراً من الأسر لم تعد قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية بسهولة كما كانت من قبل، وبالتالى تتعرض لضغوط مادية تجعل الأزواج فى مواجهة يومية حول كيفية تدبير مصروفات المنزل وهو ما يؤدى إلى زيادة التوتر النفسى والعاطفى ومن أبرز الآثار الناتجة عن ذلك: زيادة الخلافات حول إدارة المال: فمع تزايد الإنفاق تنشب الخلافات حول كيفية توزيع الدخل على الاحتياجات الأساسية والترفيه والادخار.

كذلك ينعكس تأثير هذه الضغوط على مستوى الرفاهية الأسرية: حيث تضطر الأسر إلى التخلى عن بعض وسائل الرفاهية، وقد يشعر أفراد الأسرة وخاصةً الأطفال بنقص فى احتياجاتهم، ما ينعكس سلبًا على الصحة النفسية لهم.

وأضاف الدكتور شريف أن هذه الحالة تنعكس أيضا على حال الأسرة نفسها فالضعوط المالية قد تؤدى إلى زيادة القلق والتوتر بين الزوجين ويصبح الاستقرار الأسرى عرضة للخطر، حيث يصل الأمر فى بعض الحالات إلى الطلاق.

وأشار الدكتور شريف الراعى إلى عدة حلول لمواجهة تلك الأزمة أولها: التواصل الصادق والتفاهم المتبادل بين الزوجين، ففى أوقات الأزمات تحتاج الأسر إلى تضافر جهود جميع أفرادها للتخفيف من الضغوط، وذلك من خلال: وضع ميزانية واضحة وتحديد الأولويات، ومشاركة الزوجات حيث يمكن أن تتحملن أعباء الجزء الترفيهى والأنشطة الرياضية للأطفال والتنزه، مما يساعد على المساهمة فى تخفيف الأعباء عن الزوج، مع ضرورة التواصل بوضوح حول الاحتياجات والمشكلات المالية، حيث يجب أن يكون الحوار صريحًا وبعيدًا عن الاتهامات واللوم، بالإضافة إلى التعاون المشترك: مثل التفكير فى طرق جديدة لزيادة الدخل، أو تقليل المصاريف غير الضرورية.

وأضاف أنه لا بد من توجيه جزء من دخل الأسرة إلى الادخار حتى إن كان محدودًا، حيث يمكن للادخار المستمر أن يوفر ملاذًا آمنًا فى الأوقات الصعبة، مع تعلم مهارات جديدة لزيادة فرص العمل أو بدء مشاريع صغيرة يمكن أن تساهم فى زيادة الدخل، والحصول على الدعم الاجتماعى، حيث قد يساعد الانضمام إلى مجموعات دعم أو جمعيات خيرية فى تخفيف الضغوط المالية.

تأثير شامل

دكتور إيمان عبدالله استشارى العلاج النفسى 

ومن جانبها قالت دكتور إيمان عبدالله استشارى العلاج النفسى إن الأزمة الاقتصادية الحالية تُعتبر من العوامل الرئيسية التى تؤثر سلبًا على الأسر، حيث هناك ارتفاع ملحوظ فى الأسعار وتدنى مستوى الدخل. هذا الوضع لا يقتصر تأثيره على الأسر ذات الدخل المنخفض فقط، بل يمتد أيضًا إلى الأسر المتوسطة، مما يزيد من الضغوطات النفسية والاجتماعية بين الأزواج.

وتعتبر مشكلة غياب دراسة الأولويات المالية واحدة من أهم المشكلات الأساسية للعديد من الأسر، ما يدفع البعض إلى إنفاق مواردهم بشكل غير مدروس. لذا لابد من تطوير استراتيجيات إنفاق فعالة وحلول بديلة تتضمن عناصر استثمارية أو ابتكارية، وأضافت: أن مسألة الاتفاق المالى بين الزوجين من الأمور الحيوية التى ينبغى مناقشتها قبل الزواج بما فيها كيفية التعامل مع المال، الذى يعتبر أداة حاسمة فى حياة الأفراد، وغالبًا ما يعيش الأزواج تحت طائلة تسديد الديون، ما ينعكس سلبًا على استقرارهم النفسى والعاطفى بسبب عدم القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية، حيث يمكن أن تنشأ فجوات عاطفية بين الزوجين، وقد يؤدى ذلك إلى مشكلات عميقة مثل الشعور بالفشل، رغم أن الطرفين ليس لهم ذنب فى هذه الظروف المادية.

وأوضحت استشارى العلاج النفسى أن الحالة الاقتصادية تنعكس على الأفراد بطرق متعددة، تشمل التأثيرات الجسدية والنفسية فعدم القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية قد يؤدى إلى شعور بالإحباط واليأس، مما يُعرّض البعض لمخاطر الاكتئاب أو الاضطرابات النفسية وفى بعض الحالات قد يصل اليأس إلى حد التفكير فى الانتحار نتيجة الأعباء المتزايدة.

وأشارت د. إيمان عبدالله إلى أن الدراسات أثبتت أن المشاكل المادية تمثل نسبة أكبر من الخلافات الأسرية حتى أنها تفوق مشكلة الخيانة، وهذا الأمر يستدعى ضرورة العمل على إيجاد حلول شاملة لعلاج هذه الأزمات، بهدف تحسين الظروف المعيشية وتعزيز الاستقرار النفسى للأسر، وتفادى أى أزمات قد تؤثر سلبًا على العلاقة الزوجية.