بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

دخول الصوفية إلى مصر.. رحلة الحب الإلهي

بوابة الوفد الإلكترونية

بدأت الصوفية، كحركة روحانية إسلامية، بالانتشار في العالم الإسلامي منذ القرون الأولى للإسلام، وقد جاءت الصوفية إلى مصر مع الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي، لتصبح لاحقًا جزءًا من النسيج الثقافي والديني المصري. وعلى مدار القرون، تطورت الصوفية وأخذت أشكالًا مختلفة، لتصبح واحدة من الحركات الدينية الأكثر تأثيرًا في المجتمع المصري، وتشكلت عبرها طقوس وتقاليد تعكس مزيجًا من الروحانية والثقافة الشعبية.

البدايات التاريخية للصوفية في مصر

 


يرجع دخول الصوفية إلى مصر إلى بدايات العصر الأموي، حيث كان التصوف في بداية الأمر فرديًا وغير منظم، وقد تطورت الصوفية بشكل كبير خلال العصر العباسي، مع قدوم عدد من المتصوفين إلى مصر، ومنهم عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الذي يعتبر من أوائل من بشروا بالصوفية في مصر، كان هؤلاء المتصوفون يروجون لأفكار الزهد والتقرب من الله عبر ترك الدنيا والانصراف إلى العبادة والخلوة.

الصوفية في عصر الدولة الفاطمية


حظيت الصوفية باهتمام خاص خلال العصر الفاطمي (969-1171 م)، إذ كانت الدولة الفاطمية في مصر تشجع العلم والتصوف، وفي هذا العصر، ظهرت العديد من المدارس والزوايا الصوفية، وتم دعم الطرق الصوفية بشكل رسمي، وأُقيمت الاحتفالات الصوفية التي ما زالت مستمرة إلى اليوم، مثل المولد النبوي الشريف، الذي يُعد من أبرز المناسبات الدينية لدى الصوفية في مصر.

عصر الأيوبيين والمماليك: ظهور الطرق الصوفية


مع دخول العصر الأيوبي والمملوكي (1171-1517 م)، ازداد نفوذ الصوفية، وأصبحت الطرق الصوفية منظمة بشكل أكبر، حيث ظهرت "الطريقة الشاذلية" و"الطريقة الرفاعية" و"الطريقة القادرية"، والتي أسسها متصوفون من مصر والمغرب والعراق. وقد لعبت هذه الطرق دورًا كبيرًا في استقطاب الشعب، وكان لهم تأثير عميق على الحياة الروحية والاجتماعية والثقافية، حيث أصبحت الزوايا والتكايا (مراكز تعليم الصوفية) أماكن تجمع اجتماعي وديني.

الصوفية في العصر العثماني


واصلت الصوفية ازدهارها خلال العهد العثماني، حيث زادت الطرق الصوفية وانتشرت بشكل أوسع في القرى والأرياف. وكانت الزوايا والتكايا تُستخدم كمراكز ليس فقط للعبادة، بل أيضًا للتعليم والتثقيف، وقد نُسب إلى هذه الطرق دور كبير في تعليم الفقراء والمحتاجين واحتضانهم.

أثر الصوفية على المجتمع المصري


أثرت الصوفية بعمق على الثقافة الشعبية المصرية، حيث ظهرت العديد من العادات والتقاليد المستمدة من الفكر الصوفي. كما أن الشعر الصوفي أصبح جزءًا من الأدب المصري، وتجد قصائد صوفية مثل تلك التي كتبها ابن الفارض والحلاج والشعراني، حاضرة بقوة في الثقافة المصرية.

على المستوى الاجتماعي، كانت الصوفية أيضًا وسيلة للتقارب بين مختلف فئات الشعب، إذ كانت تجمع الفلاحين والأمراء والتجار على حد سواء في طقوسها واحتفالاتها. كما أن الأعياد الصوفية، مثل الاحتفالات بالمولد النبوي وأعياد موالد الأولياء، ما زالت إلى اليوم تجتذب الآلاف من المصريين، بغض النظر عن طبقاتهم الاجتماعية.

التحديات التي واجهتها الصوفية

 


خلال العصر الحديث، واجهت الصوفية بعض التحديات، خاصة مع ظهور الحركات السلفية التي انتقدت ممارسات الطرق الصوفية واتهمتها بالبدع. ومع ذلك، استمرت الصوفية في مصر، بفضل ارتباطها القوي بثقافة الشعب المصري. وقد حاولت بعض الطرق الصوفية تطوير أساليبها للتكيف مع العصر الحديث.

 


تبقى الصوفية في مصر جزءًا أصيلًا من الهوية الدينية والثقافية، فهي ليست مجرد ممارسات روحانية، بل تمثل رابطًا اجتماعيًا قويًا يجمع الناس حول قيم المحبة والسلام. ورغم التحديات المعاصرة، لا تزال الصوفية تنبض بالحياة في مصر، مستمرة في التأثير على أجيال جديدة تتطلع إلى روحانية تتجاوز الطقوس وتلمس عمق الإيمان.

هذا المقال يلقي الضوء على رحلة الصوفية الطويلة في مصر، وكيفية تطورها وتأثيرها العميق على المجتمع والثقافة المصرية، ويظهر أن هذه الحركة الروحية التي جاءت قبل قرون لا تزال تحمل في طياتها رسالة تجمع الناس على قيم التآخي والسلام