«نزهة النفوس».. لوحة موسيقية غُزلت بنسيج الماضى والمستقبل
نانسى منير: نعزف على أوتار الزمن
بروحٍ متجددة وإبداعٍ موسيقى يتجاوز المعتاد، ترسم نانسى منير عالماً موسيقياً لا يشبه غيره. تعددت محطات رحلتها، بدءًا من تجاربٍ موسيقية متنوعة شملت الجاز والميتال، حيث شاركت المسرح مع فنّانين من مصر وخارجها، منهم شيرين عمرو، أيمن مسعود، ودينا الوديدى. تبحث نانسى دائمًا عن الجديد والمغاير فى الموسيقى، تتأمل النسيج الصوتى، وتغوص فى أعماق الحوار بين الآلات لتستخلص منه لوحات موسيقية مترابطة.
الأمر ذاته فى مشروعها «نزهة النفوس» الذى يعتبر رحلة روحية ونفسية تعيد إحياء تراث موسيقى منسى، وتعيد تقديمه فى إطار معاصر يمزج بين الحلم والواقع.
حتى فى تلقيها للموسيقى، نجد أن بوصلة نانسى تتحرك دوماً نحو ما هو مغاير وجديد. فهى لا تكتفى بسماع الألحان، بل تحلل نسيجها الصوتى وتفكيك بنائها. وتضيف عن مشاركتها فى العديد من المهرجانات قالت: أشعر بأن مشاركتى فى المهرجانات مهمه، ولكن الأهم أن فريق « نزهة النفوس»من المهم ان يحظوا بفرصة لسماع أصوتهم لأنهم لم يكونوا موجودين فى الذاكرة الجمعية فى الفترة الماضية، وهم بالنسبة لى معلمون ومن خلال الارشيف تعلمت من قصصهم وحياتهم واصواتهم وطريقة الغناء الخاصة بهم والحياة فى هذا الوقت،من المهم ان الانسان ينظر الى العالم منذ 100 عام وكيف تغير.
«نزهة النفوس» بطريقة متطورة
خلال إعدادها لألبوم «نزهة النفوس»، بدأت نانسى العمل على عرض مسرحى موسيقى توثيقى يحمل نفس الاسم، وهو العرض الذى يقدم أغانى الألبوم مصحوبة بمقاطع فيديو توثق حياة وأعمال المغنين الذين يعيد الألبوم إحياءهم.
سألتها حول التطور الموجود فى العرض هذه المرة فقالت، العرض تطور كثيرا، ونحن قضينا وقت مع المواد الارشيفيه والاغانى، فتطور بشكل موسيقى وبصرى وبتوزيعات مختلفة، وسعيده لمشاركتى مع الموسيقيين، من بينهم يسرا الهوارى على الاكورديون واندرو ميلاد على البيانو، واحمد ادم وامين على الكونترباص ورنا ايمن، ورباعى الوتريات واعزف بآلة الكمنجة والفيرمن- وهى اله خاصة جدا لانها اله من المستقبل لكنها تم تقديمها من عشرينات القرن الماضى-،والعرض قدمناه فى مهرجانات خارج مصر ومتحمسين ان يكون جزء من مهرجان الموسيقى العربية.
ورحلة البحث التى استمرت سنين كان فيها ياسر عبدالله الباحث والكاتب وعمرو حسنى من ضمن الشخصيات المشاركة فى العرض، ويسرا الهوارى، وكنا نذهب للاماكن بالعجل وكنا جميعا مهتمين برحلة البحث وكنا سعداء بها للغاية.
السر وراء العرض
وتحكى نانسى حول السر فى هذا العرض قائله، انا اشعر باننى اكتشف البوم العائلة الضائع، او اكتشاف الشخصيات غير الموجودة فى الذاكرة الجمعية، وانا كنت اشعر اننى اريد التعرف على هؤلاء المطربين الذين يشكلون مرحلة مهمة جدا فى الموسيقى المصرية، ولديهم طريقة تعبير مختلفة جدا عما بعدها مثل طريقة التعبير الخاصة بى مختلفة عن الجيل التالى، بالاضافة الى اننى أول ماسمعت عن موسيقى تلك المرحلة شعرت أننى لابد ان استكشف هذه المرحلة كمتفرج.
ذاكرة التاريخ
يعيد عرض «نزهة النفوس» للجمهور أسماءً لمغنين من أوائل القرن العشرين مثل منيرة المهدية، صالح عبد الحى، وعبد اللطيف البنا. كل منهم ترك بصمته فى تطور الموسيقى العربية، ولكنهم أصبحوا طى النسيان بمرور الوقت. يقدم العرض سرداً لمذكرات المغنية فاطمة سرى التى عانت فى زواجها وفى إثبات نسب ابنتها، كما يحكى قصة المطربة حياة صبرى، ملهمة سيد درويش التى تخلّت عن الغناء فى ذروة مجدها.. هذه الحكايات تجعل من «نزهة النفوس» ليس فقط عرضاً موسيقياً، بل عملاً توثيقياً يعيد إحياء الشخصيات التى أثرت فى الموسيقى المصرية. وبينما تروى تلك القصص، تنبعث الأغانى القديمة من جديد، برفقة موسيقى تعزفها نانسى منير بعفوية وشغف.
وتضيف نانسى هم دائما موجودين فى المؤتمر، وهم حتى بعد الانتقال الى العالم الاخر مازال صوتهم موجود، وانا تعلمت الكثير وانا اعمل على هذا المشروع من حيث الموسيقى، الحوار بين الآلات والمساحة التى تخلقها بين بعضها البعض. هذا التناغم الهارمونى بين الألحان هو ما يخلق من الموسيقى صورة وحياة كاملة، مليئة بالدهشة والشغف.
سيد درويش
هو من اهم المؤلفين الموسيقيين، وهو من الاسكندرية التى حضرت فيها مهرجان كوم الدكة، وجيلى تأثر به، لأن الحانة قريبة منا جميعا، وفى العرض نقدم لحنين لسيد درويش وسعيدة ان المهرجان باسمه.
التنوع
وتتحدث حول فنها، ومدرستها الغنائية قائله، مدرستى كانت شبه المدارس القديمة، أردت تعلم شيئا، وكنت محظوظة اننى تعلمت على يد الموسيقار الكبير فتحى سلامة، وكاميليا جبران وعلاء الكاشف وتعلمت أشياء مختلفة، وهم ملهمون فى الحياة، مثل الفنانين الموجودين فى نزهة النفوس مهمين جدا، ان الانسان يدرس كل شيء ويتعلم منه بكل شغف وشغفى للموسيقى شامل سواء فى المسرح او الموسيقى التصويرية او غيرها، الموسيقى والصوت بالنسبة لى امر مهم ان اسير خلفه بشغف والتنوع شئ مهم لاننى أشعر بالممل دائما، وفى نفس الوقت من الممكن أن الإنسان يتعلم اشياء جديدة ومختلفة دائما.
دمج الفن بالحياة
عندما نتحدث عن نانسى منير، لا يمكننا أن نتجاهل علاقتها الحميمة مع آلاتها الموسيقية، تلك الرفاق الذين تصفهم بأنها يرافقونها فى رحلتها الإبداعية. تلك الصداقة بين نانسى وآلاتها جعلت من تجربتها قطعة فنية متكاملة، لا تشبه سواها. لقد أسهمت الخلفية العائلية الموسيقية لنانسى فى تشكيل هذا الوعى الفنى العميق. فقد تربّت فى بيت موسيقى، حيث كان شقيقها عازفاً ومنتجاً موسيقياً، ووالداها يغنيان فى كورال الكنيسة.
هذا التناغم العائلى الموسيقى زرع فى نانسى حب الموسيقى منذ الطفولة، فكانت الموسيقى بالنسبة لها الطريق والحلم والهدف. تعلقت نانسى بفكرة أن الموسيقى ليست مجرد ألحان، بل هى تعبير عن الحياة نفسها. كما يقول ألبرت أينشتاين: «أنا أفكر بالموسيقى، أعيش أحلام يقظتى فى الموسيقى، أرى حياتى بمصطلحات الموسيقى».
بعد سنوات من التجريب، قررت نانسى تنفيذ الألبوم بشكل رسمى. ما يميز «نزهة النفوس» هو هذا الحوار العميق بين الماضى والحاضر، حيث تنسج نانسى مساحات موسيقية خيالية تعلق بين الأزمنة. هذه المساحات لا تنتمى للزمن بقدر ما تنتمى للنص الذى أبدعته نانسى بروحها السكندرية، حيث يغمره الشغف والمشاعر.
بين الهارمونى والتوزيع الصوتى
أحد الجوانب المميزة فى أعمال نانسى منير هو قدرتها على اللعب بالموسيقى، حيث تستخدم الهارمونى والكاونتر بوينت والمساحات الصوتية المفتوحة لخلق أصوات جديدة ومبتكرة. تعلّق نانسى على ذلك بقولها: «الموسيقى التراثية كانت قائمة على فكرة الميلودى، ولكن الموسيقى الحديثة تعتمد على التناغم بين الألحان. هذا التفاعل بين الماضى والحاضر هو ما يدفعنى للتعامل مع الموسيقى القديمة بهذه الطريقة».
حرصت نانسى على استخدام آلات موسيقية متنوعة فى “نزهة النفوس”، مما أضاف أبعاداً جمالية لصوتها. لم يكن هذا المشروع مجرد إعادة إحياء لأغانٍ قديمة، بل كان محاولة لخلق لوحة موسيقية سوريالية، تجتمع فيها خيوط الموسيقى القديمة والمعاصرة لتنسج عالماً صوتياً مختلفاً.
الأمر المؤكد الذى تثبته نانسى من خلال إحياء التراث الموسيقى المصرى وتقديمه بروح معاصرة، أن الموسيقى ليست مجرد أصوات، بل هى وسيلة للتعبير عن الروح، وحكاية إنسانية تمتد عبر الزمن.