الناصية
الجونة.. ليست سينما ولا فساتين!
مشهد صعود الأخوين نجيب وسميح ساويرس مؤسسى مهرجان الجونة السينمائى، إلى مسرح حفل افتتاح الدورة السابعة وإلقاء كلمة مشتركة.. ليس مشهدًا تمثيليًا ولا استعراضًا سينمائيًا، ولا محاولة لسرقة الكاميرا من النجمات الجميلات والنجوم الكبار المصريين والعالميين.. ولكنه إعلان لما يفعلانه عن قناعة وحب!
الجونة هى المنتجع الوحيد من بين جميع المنتجعات فى مصر التى تحولت من مجرد مكان على البحر وكراسى وشمسية فى الصيف أو الشتاء إلى بقعة خضراء للفن والإبداع والجمال.. مثلها فى ذلك مثل مدينة «كان» الفرنسية التى ارتبط اسمها بواحد من أشهر وأقدم مهرجانات السينما فى العالم.. ولولا مهرجانها السينمائى ربما كان العالم لا يعرف عن هذه المدينة الفرنسية شيئًا سوى الأثرياء فقط الذين يقدرون على تكاليف السفر إليها!
ومهرجان الجونة السينمائى أعطى للجونة كمنتجع على البحر الأحمر معنى أكبر من مساحته، وأوسع حجمًا من شاليهاته، وأعمق من البحر الذى يطل عليه.. واستقرت صورته الذهنية لدى جميع الفئات بأنه مكان محترم يصلح للسفر إليه طول السنة مع العائلة أو بدونها، حيث يعتبر نموذجًا لما يجب أن تكون عليه المنتجعات فى مصر.. فلا تكون مجرد مكان لقضاء إجازة الصيف ومضيعة للوقت، وإن كان ذلك ليس سيئًا على مستوى الأفراد بالطبع، ولكن ما أعنيه هو القيمة الثقافية أو الفنية التى يمكن أن تضيفها المنتجعات فى مصر، بدلاً من أن تكون مصدر إزعاج واستفزاز مثل ما يسمى بالساحل الشرير، والذى تحول من منتجع للصفوة فى أذهان الناس إلى منتجع للمستهترين والتافهين والمستغلين.. وحتى البلطجية، ويعطى انطباعًا اجتماعيًا سيئًا عن رجال الأعمال وأبناء الأغنياء!
ورغم اننى لم أزُر الجونة من قبل، ولم أحضر المهرجان منذ انطلاق دورته الأولى حيث يتصادف سفرى خارج مصر دائمًا فى نفس التوقيت، ومع ذلك أعرفه جيدًا كقيمة ومعنى.. ولو أن كل منتجع فى مصر فكر بطريقة علمية مثلما فعل نجيب وسميح ساويرس، فى استثمار المنتجع ثقافيًا وفنيًا وليس ماديًا فقط لكان عندنا أكثر من جونة وأكثر من مهرجان!
وعمومًا الأماكن والمدن تأخذ شهرتها ومكانتها غالبًا من تاريخها السياسى والثقافى.. فمن كان سيعرف فى العالم أن هناك مدينة اسمها الأقصر فى أقصى جنوب مصر ما لم يكن فيها هذه الآثار الفرعونية العظيمة؟!
و«العلمين» من الأماكن الواعدة فى مصر كمدينة ومنتجع، وهى مدينة فريدة لا تشبهها مدينة أخرى حتى ولو أن شكل أبراجها تشابهت مع مدن أخرى.. لأن «العلمين» مدينة لها تاريخ عالمى بينما المدن الأخرى بلا تاريخ.. وذلك لارتباطها بأعظم الحروب التى غيرت من شكل العالم فى العصر الحديث، وهى الحرب العالمية الثانية.. فالعالم قبل هذه الحرب ليس هو نفس العالم بعدها.. وكانت الحد الفاصل بين انهيار عالم قديم بقواه الدولية ومستعمراتها، وعالم جديد بقوى دولية مختلفة ودول مستقلة وحرة.. و«العلمين» كانت وما زالت جزءًا من كل ذلك، ومسرحًا لأهم المعارك والقادة التاريخيين لهذه الحرب.. فكيف لا نستغل هذه القيمة وهذا التاريخ ونكتفى بحفلات غنائية كل عام بينما يمكن أن تكون مسرحًا دوليًا لمؤتمر سياسى عالمى يحضره سياسيون ومؤرخون وقدامى المحاربين، ومعرضًا للكتب التى تناولت هذه الحرب، وآخر للأسلحة القديمة والحديثة، ومهرجانًا سينمائيًا لأفلام الحرب.. وندوات ومحاضرات وورش عمل وتدريب سياسى وتاريخى.. أشياء كثيرة يمكن أن تجعل من «العلمين» فيها فعلًا «العالم علمين».. فقط نحتاج التفكير بطريقة علمية ومبتكرة لا بطريقة وكيل الفنانين القديم فى السبعينيات لتنظيم الحفلات!