بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

لوجه‭ ‬الله

علوم‭ ‬مصر‭ ‬المنهوبة

قبل‭ ‬عدة‭ ‬أعوام‭.. ‬اشتكى‭ ‬لى‭ ‬صديقى‭ ‬الكاتب‭ ‬الكبير‭ ‬الراحل‭ ‬عايد‭ ‬الرباط‭ ‬من‭ ‬قلة‭ ‬المصادر‭ ‬عن‭ ‬الإمام‭ ‬الليث‭ ‬بن‭ ‬سعد‭.. ‬وكان‭ ‬حينها‭ ‬يعد‭ ‬مسلسلا‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬الليث‭ ‬للعرض‭ ‬فى‭ ‬رمضان‭.. ‬وخلال‭ ‬رحلة‭ ‬بحثه‭ ‬كانت‭ ‬المفاجأة‭ ‬التى‭ ‬أذهلتنا‭.. ‬فآثار‭ ‬ومؤلفات‭ ‬عالمنا‭ ‬قد‭ ‬اختفت‭ ‬كليًا‭.. ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬منها‭ ‬أثر‭ ‬سوى‭ ‬فى‭ ‬مكتبة‭ ‬نيويورك‭!.‬
والليث‭ ‬بن‭ ‬سعد‭ ‬لمن‭ ‬لا‭ ‬يعرفه‭.. ‬هو‭ ‬إمام‭ ‬مصر‭ ‬وفقيهها‭ ‬وعالمها‭ ‬الذى‭ ‬قال‭ ‬عنه‭ ‬الإمام‭ ‬الشافعى‭ ‬كان‭ ‬أعلم‭ ‬أهل‭ ‬زمانه‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬أصحابه‭ ‬ضيعوه‭.. ‬فقبل‭ ‬1200‭ ‬عام‭ ‬أخبرنا‭ ‬الإمام‭ ‬الشافعى‭ ‬بضياع‭ ‬آثار‭ ‬الليث‭.. ‬ويبقى‭ ‬السؤال‭: ‬كيف‭ ‬انتقلت‭ ‬تلك‭ ‬الآثار‭ ‬إلى‭ ‬نيويورك‭.. ‬ومتى‭.. ‬وعلى‭ ‬يد‭ ‬من‭ ‬تمت‭ ‬تلك‭ ‬الجريمة؟‭!.. ‬ماذا‭ ‬نعرف‭ ‬عنها؟‭.. ‬ما‭ ‬الذى‭ ‬فاتنا‭ ‬منها؟‭.. ‬وما‭ ‬الذى‭ ‬أثار‭ ‬شغف‭ ‬الغرب‭ ‬فى‭ ‬فقه‭ ‬عالم‭ ‬مسلم‭ ‬أغلب‭ ‬ما‭ ‬كتبه‭ ‬يخص‭ ‬الشريعة‭ ‬الإسلامية‭.. ‬ليحفظه‭ ‬ويصونها‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬السنوات؟‭.‬
والواقع‭ ‬أن‭ ‬مفكرى‭ ‬الإسلام‭ ‬لم‭ ‬يقدموا‭ ‬للبشرية‭ ‬ما‭ ‬يخص‭ ‬الشريعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬فقط‭.. ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬مؤلفاتهم‭ ‬إلى‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية‭ ‬والإنسانية‭.. ‬حتى‭ ‬فى‭ ‬علوم‭ ‬الشريعة‭ ‬قدموا‭ ‬ما‭ ‬يوصف‭ ‬بقواعد‭ ‬الفكر‭ ‬الإنسانى‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬البعض‭ ‬فلسفة‭ ‬الإسلام‭.. ‬عرفها‭ ‬الغرب‭ ‬وقدرها‭ ‬قدرها‭ ‬فقاتل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الاستحواذ‭ ‬عليها‭.. ‬عكف‭ ‬على‭ ‬دراستها‭ ‬والاستفادة‭ ‬منها‭.. ‬حرص‭ ‬على‭ ‬حرماننا‭ ‬من‭ ‬إرثنا‭ ‬الذى‭ ‬جهلنا‭ ‬قيمته‭.. ‬فتقدم‭ ‬وتخلفنا‭.‬
وللحديث‭ ‬عن‭ ‬آثار‭ ‬الفكر‭ ‬المصرى‭ ‬والعربى‭ ‬شجون‭ ‬وأحزان‭ ‬لا‭ ‬تنتهى‭.‬
ولك‭ ‬أن‭ ‬تتخيل‭ ‬وأنت‭ ‬من‭ ‬أمة‭ ‬الإسلام‭.. ‬أن‭ ‬أقدم‭ ‬مخطوطة‭ ‬للقرآن‭ ‬الكريم‭ (‬كتابك‭ ‬المقدس‭) ‬والتى‭ ‬خطت‭ ‬فى‭ ‬زمن‭ ‬الرسول‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬أو‭ ‬الخلفاء‭ ‬الراشدين‭ ‬على‭ ‬أقل‭ ‬تقدير‭ ‬ليست‭ ‬فى‭ ‬أى‭ ‬من‭ ‬مساجدنا‭ ‬أو‭ ‬مكتباتنا‭ ‬لكنها‭ ‬أحد‭ ‬مقتنيات‭ ‬جامعة‭ ‬برمنجهام‭!.. ‬ليس‭ ‬هذا‭ ‬فحسب‭.. ‬فلك‭ ‬أن‭ ‬تعلم‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬6‭ ‬ملايين‭ ‬مخطوطة‭ ‬عربية‭ ‬فى‭ ‬مكتبات‭ ‬ومتاحف‭ ‬العالم‭.. ‬رصدت‭ ‬منظمة‭ ‬اليونسكو‭ ‬منها‭ ‬4‭ ‬ملايين‭ ‬مخطوطة‭ ‬فى‭ ‬مكتبات‭ ‬الغرب‭ ‬وحدها‭. ‬
وبالطبع‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نلوم‭ ‬الغرب‭ ‬لتقديره‭ ‬لعلومنا‭ ‬ومعرفته‭ ‬لقيمة‭ ‬الكنز‭ ‬الذى‭ ‬كان‭ ‬بأيدينا‭ ‬وجهلنا‭ ‬قيمته‭.. ‬قدر‭ ‬لومنا‭ ‬للجهل‭ ‬والخيانة‭ ‬والسفه‭ ‬فينا‭.‬
وإذا‭ ‬انتقلنا‭ ‬بالحديث‭ ‬عن‭ ‬آثار‭ ‬قدماء‭ ‬المصريين‭ ‬وعلومهم‭.. ‬كانت‭ ‬الخسائر‭ ‬أكبر‭ ‬والألم‭ ‬أكثر‭ ‬قتلا‭.. ‬فأول‭ ‬ما‭ ‬يتبادر‭ ‬إلى‭ ‬الأذهان‭ ‬حين‭ ‬نذكر‭ ‬كنوز‭ ‬الآثار‭ ‬المصرية‭.. ‬هو‭ ‬الذهب‭ ‬والمنحوتات‭ ‬المذهلة‭ ‬وربما‭ ‬المومياوات‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬أهل‭ ‬الجنوب‭ ‬عندنا‭ (‬المساخيط‭) ‬وادعاء‭ ‬ما‭ ‬تحويه‭ ‬من‭ (‬زئبق‭ ‬أحمر‭.. ‬لجلب‭ ‬الحبيب‭).. ‬وهذه‭ ‬النظرة‭ ‬الغاشمة‭ ‬النهمة‭ ‬التى‭ ‬روجها‭ ‬لصوص‭ ‬الآثار‭ ‬وسماسرة‭ ‬الأوطان‭.. ‬هى‭ ‬الجهل‭ ‬ذاته‭ ‬والخبل‭ ‬بعينه‭.. ‬فكنوز‭ ‬مصر‭ ‬الحقيقية‭ ‬التى‭ ‬حفظتها‭ ‬مقابر‭ ‬الأجداد‭.. ‬أكبر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬جثثا‭ ‬حفظت‭ ‬من‭ ‬التحلل‭.. ‬أو‭ ‬بضعة‭ ‬منحوتات‭ ‬وحلى‭ ‬ذهبية‭.. ‬لكنه‭ ‬العلم‭ ‬الذى‭ ‬جاء‭ ‬بذلك‭ ‬كله‭.. ‬ذلك‭ ‬العلم‭ ‬الذى‭ ‬حفظته‭ ‬ودونته‭ ‬البرديات‭ ‬لينهل‭ ‬منها‭ ‬الغرب‭ ‬مايشاء‭.. ‬ونبقى‭ ‬عطشى‭ ‬ضياعًا‭ ‬فى‭ ‬ظلمات‭ ‬الجهل‭ ‬والتخلف‭.. ‬فعن‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬برديات‭ ‬علوم‭ ‬الطب‭ ‬والفلك‭ ‬والهندسة‭ ‬والرياضيات‭.. ‬فى‭ ‬مخازن‭ ‬متاحف‭ ‬ومكتبات‭ ‬الغرب‭ ‬سيكون‭ ‬حديثنا‭ ‬فى‭ ‬المقال‭ ‬القادم‭. ‬