من حكايات المبدعين
الروائى ناص عراق: رمضان ارتبط فى أعمالى بنصر أكتوبر ورواية الأزبكية ولدت فى الشهر الكريم
الروائى الكبير ناصر عراق الفائز بجوائز كتارا والقائمة القصيرة للبوكر العربية يعتبر رمضان شهر البهجة والصفاء.
ويقول لـ«الوفد»:
يحتل الشهر الكريم فى ذاكرتى أكرم ركن، لكن تظل ذكرى حرب أكتوبر 1973 التى اندلعت فى العاشر من رمضان من أنبل تلك الذكريات وأكثرها عزة وفرحة، ففى ذلك الوقت كنت صبياً فخوراً بأشقائى الثلاثة الكبار، إبراهيم وفكرى وفوزى، الذين يكيلون للعدو الصاع صاعين على جبهات القتال. وكنت أسيراً لأحلام اليقظة التى تحملنى على أجنحتها لأرانى رساماً مميزاً أوممثلاً مشهوراً يتقمص أدوار المحارب العنيد الذى يحمى الوطن بصدره العارى.
وتمر الأيام، ويزورنا رمضان كل عام فأبتهج، ثم يغادرنا فأحزن، وأفرح بقدومه الرائع من قرن إلى آخر، حتى يتسلل هو وحرب أكتوبر إلى بعض رواياتى، فقد استرددت ذكريات الشهر الكريم وطقوسه الساحرة ونصر أكتوبر وحلاوته التاريخية فى روايات (أزمنة من غبار/ 2006)، وفى (نساء القاهرة. دبى/ 2014)، وفى (الكومبارس/ 2016).
أذكر أيضاً أن الشهر الكريم أهدانى بعض الحلول الفنية عندما كانت أحداث روايتى (الأزبكية/ 2015) تتعقد منى وتفقد انسيابها وسيولتها، فكنت أتوقف عن الكتابة مضطراً، والغيظ ينهش منى العقل والصدر والوجدان، لكن مع أجواء رمضان بطقوسه وعاداته وشعائره، أجدنى مبهوراً وأنا أتلقى الإلهام الروائى الجميل فى صباح رمضانى مشرق بالأمل والنعيم، وهكذا تتفكك العقدة الفنية التى أعجزتنى عن مواصلة الكتابة، وأرانى منكباً على أحداث الرواية من جديد مدججاً بابتكار فنى لافت، ومعززاً بلغة روائية متفردة كما أظن.
أذكر أيضاً أن فكرة رواية (الأزبكية) نفسها انبثقت فى عقلى فى لحظة رمضانية فارقة، إذ كنت أطالع فى نهار رمضانى رائق كتاب الشيخ الجبرتى الأشهر (عجائب الآثار فى التراجم والأخبار)، حيث ذكر أن نابليون بونابرت أصدر أمراً لجنوده عندما وصل بحملته إلى مصر عام 1798... يقول الأمر الغريب الذى صدر بناء على توسل شيوخ الأزهر وكبار تجار مصر المحروسة: (على جميع الجنود أن يقللوا سرعة الحمير وهم يمتطونها فى حارات القاهرة وأزقتها).
هذه الجملة القصيرة بدلالتها الاجتماعية والسياسية والنفسية هى التى أوحت لى بكتابة الأزبكية، التى ظللت عاكفاً عليها لمدة عامين كاملين، حتى نضجت واستوت وقرأها الناس.
أجل... رمضان شهر جميل استثنائى يشرح الصدر ويرطب الوجدان ويهذب النفس.