الكاريكاتير والفن التشكيلى.. فن المقاومة الناعمة
فلسطين التى لا تغيب
«حنظلة» ناجى العلى.. أيقونة النضال
عصام حنفى.. القضية هاجسه الأول.. و«الوفد» شهدت انطلاقته
شموط.. باع الحلوى للجنود المصريين.. وأقام معرضه بالمخيم
حجى.. يسرد بريشته مأساة شعب
يعتقد علماء الآثار أن رحلة الكاريكاتير بدأت قبل الميلاد بثلاثة آلاف سنة، فقد وجدوا رسومات على تابوت»رمسيس الخامس» تصور أناسًا حقيقيين، من أمثلتها «الرب أوزوريس» الذى عاقب «رمسيس» وأمر بتصويره على شكل خنزير لكى يعود إلى الأرض مع قردين برأسى كلب، وهكذا انتقل الكاريكاتير كفن من الفراعنة إلى دولة الفرس والإغريق والرومان، مرورا بظهور السيد المسيح، إلى أن ظهرت الطباعة فى ألمانيا عام 1440. وبعدها أصبح من الممكن تداول أعداد من النسخ المطبوعة للرسم الواحد، مما أدى هذا التطور التقنى إلى بداية انتشار رسوم الكاريكاتير بعد نصف قرن من ظهور الطباعة؛ وكان ذلك ما بين عامى.(1500-1559).
إنه ذلك الفن الذى يسهل فهمه، فلا يحتاج للغة محددة لمعرفة مغزاه، وقد كان ولا يزال للكاريكاتير والفن التشكيلى دور كبير فى مشهد القضية الفلسطينية،
فللصورة دور بارز فى فعل المقاومة، فاحتلت القضية الفلسطينية مساحة كبرى لدى الرسامين العرب، وخاصة فى ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضى، ليصبح فن المقاومة الناعمة التى تعتبر جزءاً من تعزيز صمود الشعب الفلسطينى.
ومن فنانى الكاريكاتير الفلسطينيين: ناجى العلى، إسماعيل شموط، علاء اللقطة، ماهر الحاج، سليم عاصى، وغيرهم. وقد أنجبت مصر العشرات من رسامى الكاريكاتير واسعى الشهرة، بدءا بالرائد عبدالسميع، الذى اتخذ من رزاليوسف نافذة لفنه، مرورا بصلاح جاهين، ثم الليثى وبهجت وحجازى، وبهجورى، وطوغان، ومصطفى حسين، واللباد، وناجى كامل، وايهاب، وعصام حنفى، وغيرهم.
وفيما يلى سنسلط الضوء على بعض رسامى الكاريكاتير والفنانين التشكيليين، الذين صرخوا بريشتهم فى وجه المحتل الغاشم:
- فنانون فلسطينيون:
<< ناجى العلى:
اشتهر ناجى العلى بريشته فى التعبير عن الواقع المؤلم الذى يعيشه الفلسطينيون من تشرد واعتداء وفقر؛ ليجسد من خلال رسمه الكاريكاتورى أحداث الثورة وأعمال «الموساد الإسرائيلى»، ويرتبط اسمه بنضال الشعب الفلسطينى.
يقول العلى عن تجربة التهجير: «كنت طفلاً فى العاشرة من العمر عندما أتينا إلى مخيم عين الحلوة للاجئين، كنا جائعين ومصابين بالدوار وحفاة، وكانت الحياة فى المخيم لا تطاق، مليئة بالإذلال اليومى، يسودها الفقر واليأس».
اعتقل من قبل القوات «الإسرائيلية» وهو صبى بسبب نشاطاته المعادية للاحتلال، حتى امتلأت جدران سجن «إسرائيل» برسوماته.
زادت عدد رسومات العلى على أربعين ألف كاريكاتير، حصل من خلالها على جائزة القلم الذهبى لحرية الصحافة من الرابطة العالمية للصحافة عام 1978.
ابتكر شخصية «حنظلة» فى رسوماته، فكان هذا الطفل الصغير رمزًا للفلسطينى المعذب والقوى فى نفس الوقت، وكان رمزًا للتعبير عن المواطن الفلسطينى وقضاياه.
وفى صباح 22 يوليو 1987، استشهد ناجى العلى برصاص غدر الموساد الإسرائيلى.
<< إسماعيل شموط:
تعد لوحاته: النكبة، وذكريات ونار، وعروسان على الحدود»، من أهم ما أبدع.
ولا تزال جدران المخيم الرطبة تستذكره، حين عرف فيها الرسم وهو فتى يبيع الحلوى للجنود المصريين المسافرين من وإلى غزة فى محطة القطار فى الخمسينيات. ترك شموط مدينته «اللد» على إثر نكبة 1948 متوجها وأسرته إلى مخيم خان يونس، فى الطريق يموت شقيقه توفيق من العطش والحر. حين برزت موهبته، كانت رسومه الأولى للطبيعة ولجمال اللد وما حولها، إلا أنه قبيل النكبة مباشرة، صارت تشده مواضيع تتعلق بالأحداث فى فلسطين؛ فرسم صور المجاهدين والقادة. وكان للنكبة فيما بعد التأثير الأكبر على مجرى حياته وعلى توجهه الفنى.
فى المخيم، يقيم شموط أول معرض ارتجالى له عام 1950، فيقول: « قصدت مصر من أجل دراسة الفن فيها، وكان والدى لا يملك قرشاً، فبعت بعض اللوحات إلى الأجانب حتى جمعت عشرة جنيهات، سافرت بها إلى القاهرة ».
وفى القاهرة عام 1954 افتتح الرئيس المصرى الراحل جمال عبد الناصر، أول معرض لشموط ـ بمُشاركة الفنانة تمام الأكحل والفنان الفلسطينى نهاد سباسى وحمل عنوان «اللاجئ الفلسطينى»، وكان المعرض مكوناً من خمس وخمسين لوحة لـ (شمّوط).
حصل على درع الثورة للفنون والآداب عام 1978، ووسام القدس وجائزة فلسطين للفنون وجوائز عربية ودولية.
فنانون مصريون:
<< طوغان
يعد أحمد طوغان، ابن محافظة المنيا، شيخ رسامى الكاريكاتير فى مصر وأحد رواده فى العالم العربى بحكم تاريخه الطويل فى هذا الفن الذى يتجاوز 60 سنة، نجح فى خلق أبعاد جديدة للكاريكاتير تتجاوز متعة الضحك ليجعل منه احتجاجاً ضد الفساد والظلم من خلال تلميحات ريشته فيما بين الخطوط.
كان «طوغان» اختيار الرئيس الراحل أنور السادات، فى أكتوبر 1953، للمشاركة فى تأسيس صحيفة «الجمهورية» ورسم الكاريكاتير السياسى فيها، ومنذ ذلك الوقت نمت علاقته بالسادات وأصبحت صداقة.
<< عصام حنفى:
أحد أشهر رسامى الكاريكاتير العرب، أقام العديد من المعارض المخصصة للقضية الفلسطينية سواء داخل مصر أو خارجها، وهو يركز فى أعماله على دور الاستشهاديين، وأطفال الحجارة وابطال الانتفاضة من شباب وفتيات، وكان يعتبر القضية الفلسطينية هى الهاجس الفنى والسياسى الأول خلال رحلته الصحفية،
تعرض للسجن فى قضية يوسف والى الشهيرة.
وعن نضاله يقول عصام فى أحد حواراته: «أول رسم كان على جدران الحجز بقسم ترحيلات الخليفة الشهير وكان عن حرية الصحافة التى يوفرها النظام داخل السجون، وكنت أرسم مساء بعد غياب أعين البصاصين أثناء احتجازى بمستشفى سجن مزرعة طرة، وأقوم بتهريب الرسوم فى جيب سرى بالحقائب أثناء الزيارات، ليقوم بنشره الزملاء فى جريدة «العربى».
ولم يطل بى المقام فى صحافة السلطة، فكان لجريدة «الشعب» أثر بالغ فى بداياتى، وعاصرت انطلاقة جريدة «الوفد» مع الأستاذ مصطفى شردى، وهو صحافى من طراز نادر وجدت معه الأفق مفتوحا لتناول صاحب عصا النظام الغليظة وزير الداخلية رسما واسما، وكانت سابقة فى رسوم الكاريكاتير».
<< محمد حجى:
قال عنه الناقد محمد حمزة: إنه يجسد فى أعماله الفنية كل المفاهيم السياسية والاجتماعية النابعة من روح أهل فلسطين.. والسيرة الباحثة عن الحقيقة فى حياة الإنسان العربى.. كأنه الراوى.. السارد لقضايا المجتمع.. حيث صاغه بأسلوب تنويرى جديد.
– لم يذهب حجى إلى الأرض المحتلة، سوى مرة واحدة، زار فيها غزة قبل حرب 1967 بأربعة أشهر.. ولكنه ذهب إلى الأردن عدة مرات، والتقى فيها بأهل فلسطين المهاجرين قسراً فى عدد من المخيمات وعاش لفترات متفاوتة مع رجال المقاومة الفلسطينية فى قواعدهم المتقدمة واختزن المأساة فى ذاكرته منذ احتلال فلسطين.
صور حجى نضال الفلسطينيين بمنحى واقعى، عندما صور الطفل الذى يواجه دبابة بحجر ، بينما افترش طفل آخر النجيلة الخضراء لمذاكرة دروسه فى الوقت الذى خضع فيه طفل صغير لتدريب فتى على حمل السلاح، وجلس رضيع فى المواجهة، واتحد السلاح والابن والأم معاً فى جسد واحد، وارتفعت أصابع طفل بعلامة النصر، وتجمع الكل حول ألوان العلم الفلسطينى، وارتفعت الأيادى بالشهيد الجديد وأصرت الأم على إرضاع وليدها فى أتون المعركة، بينما نرى نظرات التحدى فى عيون طفل الانتفاضة، فيما انتظرت الفتاة بأسى عودة الغائب، وسجل الفنان عودة الطفل من المدرسة إلى المخيم الذى تباعد كأنه الأمل فى الغد.
هكذا يظل الكاريكاتير والفن التشكيلى إحدى صور المقاومة الأكثر فعالية والأسرع أثرًا فى نفس العدو، وهو ما أكده تشرشل عندما اجتمع برسامى الكاريكاتير أثناء الحرب العالمية الثانية، وقال لهم:
«أنتم الكتيبة الأولى فى الحرب، وواجب عليكم رفع معنويات الجنود والشعب».








