لغتنا العربية جذور هويتنا (20)
كنوز اللغة العربية من عصور الظلام إلى النور
لا جدال حول الارتباط الوثيق بين اللغة ووظيفتها الاجتماعية والتواصلية، وصلتها الحميمة بالناشئة، باعتبارها من أهم النوافذ الأساسية للمعرفة، منذ بدء مسيرة الإنسان العلمية والثقافية، كما أن اللغة، وتعنينا هنا اللغة العربية، ذات صلة وثقى بالتراث الحضارى. فعلى مدى قرون مضت، والمستشرقون والباحثون سابحون فى فضاءات وسماوات حضارة اللغة العربية، ولا تستطيع إحصاءها، وتعجز عن الإحاطة بأركانها، والتفيـؤ بظلالها، حيث حملت اللغة العربية كنوز السماء حين سارت على ألسنة الناس بخصائصها وسماتها الموسيقية والمعنوية؛ إذ أتقنها وتذوقها وألف بها من هم من غير أهلها من بقاع شتى من الأرض، تعددت بيئاتهم وأعراقهم ولغاتهم وثقافاتهم ما بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، بعد أن فتح العرب العراق وإيران ومصر، والأندلس وصقلية وغيرها فى ظل سخاء الخلفاء على العلم والعلماء؛ فورثوا الحضارات: اليونانية والساسانية الكلدانية والآرامية، وبيزنطية وسامية قديمة ومصرية قبطية، ثم انصهر هذا التعدد فى لسان واحد، وذلك بمثل ما أتقنها وتذوقها، وألف بها أبناؤها، وربما بلغ الآخرون شيئاً من التفوق على الأولين؛ فتآلفت الجنسيات العالمية فى تلقى تلك الكنوز السماوية، وتنامت وتعددت، ومع تعددها تعددت البيئات، من منطقة القوقاز، إحدى حواضر الإسلام، والدولة الخوارزمية التى تضم: أفغانستان، وأوزبكستان، وتركستان، وكازاخستان، وطاجكستان، وباكستان، وعاصمتها «أورجنده» فى تركستان حالياً، من ناحية، ومن ناحية ثانية شبه الجزيرة الواقعة فى الجنوب الغربى من أوروبا، التى كانت تسمى أيبيريا نسبة إلى الأيبيريين، وإسبانيا لدى الرومان، ثم سميت الأندلس فى العصر الإسلامى، مأخوذاً من «وندلس» اسم بعض القبائل الأوروبية الشمالية، حيث انتقل إليها المسلمون بعد أن بسطوا سلطانهم على شمالى إفريقيا، وظلت الحضارة الإسلامية مرفرفة طيلة ثمانية قرون، حيث الأصول البعيدة، الموغلة فى أعماق التاريخ، ثم اجتمعت جميعها على قلب رجل واحد، أو على الأدق على لسان واحد، متكاتفة فى تلقى كنوز السماء، وتلقيحها وتنقيحها مع عطاء جنسيات أخرى قديمة متعددة، فى شكل حضارى رفض التعصب والانغلاق، وذلك عبر حقب وعصور وأزمان متتابعة، ومع ترامى حدود الدولة الإسلامية بين الصين وأواسط الهند شرقاً، والمحيط الأطلسى غرباً، وبين المحيط الهندى، والسودان جنوباً إلى بلاد الترك، والخرز، والروم، والصقالبة شمالاً، على نحو ما كتاب (أطلس تاريخ الإسلام لحسين مؤنس) بعد قليل، حيث اتصل العرب قبل الفتح الهلينى للشرق الأدنى- بمراكز الحضارة القديمة فى مصر، وفى غربى آسيا، والهند، وأخذوا عنهم، دلـت على ذلك نقوش سومرية، وأخرى بابلية، ترجع إلى الألف الثالث قبل الميلاد، فضمت اللغة العربية: بلاد السند (جنوبى باكستان)، وخراسان (فى آسيا بين نهر أمودريا جبال هندوكوش، وفارس غربا، وسجستان جنوبا)، وما وراء النهر، وتادجيكيستان فى جنوبى آسيا، وهى بين أوزبكستان والصين وأفغانستان، وإيران، وتركستان فى آسيا الوسطى بين سيبيريا وبحر قزوين وإيران وأفغانستان والهند ومنغوليا، وبيئات: ما بين العراق، والجزيرة العربية، والشام، ومصر، والمغرب، والأندلس، وصقلية، وهى شعوب، وديانات صهرها الإسلام، وأشربها لسانه العربى فكراً، ولغةً، وشعوراً، وثقافةً، فعم التعريب، وبخاصة لدى أمة الفرس، وغيرها من الأمم؛ لتتسم الحضارة العربية بالعالمية، حيث اتصلت اللغة العربية باليونانية، والهندية، والتركية، والكردية، والقبطية، والبربرية، والبابلية والآشورية، والكنعانية، والفينيقية، والآرامية، والحبشية، والعبرية، وحيث تدفق النهر سخياً بلسان عربى مبين، حتى أصبحت اللغة العربية فى عالمنا المعاصر على ألسنة نحو ثلاثة فى المائة إلا قليلاً من سكان العالم ضمن إحصائية تقرر أن ربع سكان العالم تتكلم بالصينية ونحو عشرين فى المائة بالإنجليزية، وأكثر من ثمانية فى المائة بالروسية، وأكثر من ستة فى المائة بالهندية، وما يقارب الأربعة فى المائة بالألمانية واليابانية، ونحو اثنين ونصف فى المائة بالبرتغالية والإيطالية.
حمل المشعل علماء، وتعددت نسبة أولئك العلماء إلى البيئات المتعددة عالمياً من مشارق العالم إلى مغاربه؛ ما بين آسيا الوسطى، وجزر البحر الأبيض المتوسط، وما بعد شواطئه الجنوبية، وكان من أبرز رواة الحديث: البخارى من فارس، ومسلم من نيسابور، والنسائى من تركستان، وأبو داؤود من سجستان، والترمذى من أوزبكستان، والنسائى من تركستان، وابن ماجة من قزوين، وطارق بن زياد من البربر، وصلاح الدين الأيوبى من الأكراد، ومحمد الفاتح من الترك، وقطز من المماليك، وهكذا كانت مسيرة الأعلام.
عضو المجمع العلمى المصرى، وأستاذ النقد الأدبى بجامعة عين شمس.