بهي الدين بركات: الزعيم الذي صنع التاريخ بصموده
في قلب التاريخ المصري، هناك شخصيات لا تنسى، تظل بصماتها خالدة في وجدان الوطن، لأنها جمعت بين الشجاعة والفكر والنزاهة، وعاشت حياتها كلها خدمة لمصر وشعبها.
الدكتور محمد بهي الدين بركات باشا هو أحد هؤلاء الرجال، الذي حمل على عاتقه أمانة الوطن بكل صدق وإخلاص، ولم يرض أن يحيد عن مبادئه لحظة واحدة، متحديا كل الضغوط والمصاعب، متمسكا بكرامته وحقه في قول الحقيقة.
هذا المقال رحلة في حياة رجل صنع التاريخ بيده وعقله وقلبه، رجل لم يكن مجرد سياسي أو مسؤول، بل رمز للوفاء لمصر، وصرح من صروح الوطنية الحقيقية.
ولد الدكتور محمد بهي الدين بن فتح الله بركات في قرية منية المرشد بمحافظة كفر الشيخ عام 1889، وكان من أسرة عريقة متعلقة بالوطن والسياسة، إذ كان ابن أخت الزعيم الوطني سعد زغلول، ووالده فتح الله باشا بركات أحد الذين نفوا مع سعد زغلول إلى جزيرة سيشل في أواخر عام 1921.
منذ صغره، أبدى بهي الدين نبوغا وذكاء واضحا، فحرص والده على إرساله إلى القاهرة لاستكمال تعليمه، وهناك بدأ مشواره التعليمي الذي توج بالتحاقه بكلية الحقوق وحصوله على ليسانس الحقوق عام 1909.
لم يكتف بالحدود المحلية، فغادر إلى باريس لمواصلة دراسته في القانون، وحصل على درجة الدكتوراه عام 1912، كان موضوع رسالته عن “الامتيازات الأجنبية”، وهو موضوع أثار جدلا في ذلك الوقت، حتى أن الوزير الإنجليزي آنذاك حاول التدخل لإجباره على تغييره، إلا أن بهي الدين رفض رفضا قاطعا، وقال بكبرياء: “الموضوع هيفضل زي ما هو حتى لو هتموتوني”، وهو موقف يعكس مبادئه الراسخة وتمسكه بالحق قبل أي اعتبار آخر.
عقب عودته إلى مصر، بدأ بهي الدين بركات باشا حياته العملية كمدرس للقانون، ثم تدرج في المناصب حتى وصل إلى وكيل وزارة الحقانية، لكنه لم يلبث أن دخل معترك السياسة، حيث كان من العناصر الفاعلة في ثورة 1919، وبرز كأحد قادة حزب الوفد تحت زعامة سعد زغلول، مؤكدا بذلك أنه ليس مجرد سياسي يتقلد المناصب، بل رجل يحمل رؤية وطنية صادقة.
تولى وزارة المعارف العمومية مرتين، الأولى في وزارة مصطفى النحاس باشا والثانية في وزارة محمد محمود باشا، وقد حرص خلال تلك الفترة على تطوير الكتب المدرسية ووضع نظام للقبول في المعهد العالي للتعليم، كما أسس لجنة لتسهيل قواعد الصرف والنحو، مما ساعد على تبسيط التعليم وتحقيق نهضة معرفية، وفي فبراير 1938، حصل على رتبة الباشوية، تقديرا لخدماته وإسهاماته في الحياة العامة.
لاحقا، أصبح رئيسا لمجلس النواب، ثم رئيسا لديوان المحاسبة، وقد تميز في كل منصب تولاه بالنزاهة والشفافية، ولم يرض أن تتدخل الحكومة في اختصاص الديوان، وهو موقف يعكس مبادئه الصلبة وحرصه على العدالة.
بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952، عين عضوا في مجلس الوصاية على الملك فؤاد الثاني، وهو الدور الذي لم يمنحه صلاحيات فعلية، ولكنه ظل حاضنا للقيم الوطنية والكرامة المصرية، بعد ذلك، اختار الانسحاب عن الحياة السياسية، محتفظا بمبادئه بعيدا عن الأضواء.
لقد عرف بهي الدين بركات باشا بنزاهته وكرامته، وزهده في المناصب، ورغبته في خدمة الوطن قبل أي اعتبار شخصي، وقد امتلك ثروة كبيرة من الأراضي الزراعية التي عرفت ب”بساتين بركات”، لكنه لم يجعل المال يطغى على مبادئه.
كان محبوبا ومحترما من الجميع، من العائلة المالكة إلى رؤساء الأحزاب والصحفيين، وحتى رجال ثورة يوليو، وذلك لحكمته وحنكته السياسية ومصداقيته التي لا تتزعزع.
وقد كان خاله سعد زغلول يقدر رأيه بشدة، حتى أنه كان يحرص على سماعه في نهاية أي نقاش، مؤكدا على احترامه لوجهة نظره: “رأيك صحيح يا بهي الدين”، وهي شهادة على ذكائه ورصانته.
إلى جانب نشاطه السياسي، ترك بهي الدين بركات إرثا أدبيا وثقافيا، من أبرز مؤلفاته كتاب “صفحات من التاريخ”، الذي يعكس تجربته الطويلة وفهمه العميق للأحداث الوطنية والسياسية في مصر.
لقد جمع بين العلم والسياسة والنزاهة، بين الفكر والعمل، وظل مثالا للسياسي الذي يخدم وطنه دون مساومة على المبادئ، لم يكن مجرد رجل سياسة يسعى للمناصب، بل كان رمزا للكرامة الوطنية والحكمة الرشيدة، وقد استطاع أن يترك أثرا لا يمحى في الذاكرة المصرية، ليس فقط من خلال مناصبه، بل من خلال شخصيته المستقلة، وذكائه، وحبه لوطنه، وحرصه على خدمة الشعب.
توفي الدكتور محمد بهي الدين بركات باشا في عام 1972، تاركا وراءه إرثا من الوطنية الحقيقية، والإخلاص للمبادئ، والذكاء السياسي الذي خدم مصر في أوقات عصيبة.
إن سيرته تعلمنا أن الوطنية ليست كلمات تكتب على الورق، بل أفعال تتجلى في كل موقف وشجاعة في الدفاع عن الحق، وأن القيادة الحقيقية تتطلب النزاهة والالتزام بمبادئ العدالة، وأن العمل من أجل مصر لا يحتاج إلى بريق المناصب بقدر ما يحتاج إلى صدق في النية وإيمان عميق بالوطن.
لقد كان بهي الدين بركات باشا نموذجا يقتدى به، رمزا للسياسي الوطني الذي جمع بين العقل والوجدان، بين القوة والرحمة، وبين الفكر والعمل، وهو بحق أحد أعمدة التاريخ السياسي المصري الذي يظل اسمه في قلوب المصريين، تذكيرا دائما بأن مصر تحتاج إلى رجال بهذا العطاء والصدق والوفاء.