بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

مصلح أم مُضل؟

غيّرت الأفكار خرائط العالم. حركت الكلمات البشر فى كل مكان، فتفاعلوا وتصارعوا، وبنوا الممالك وهدموا الدول، وبدلوا السياسات، وعمروا، وتوسعوا.
ومَن يقرأ سيرة الشيخ محمد عبدالوهاب، رجل الدين الأهم فى القرن الثامن عشر الميلادى، يُدرك جيدا إلى أى مدى يُمكن للأفكار أن تتمدد وتؤثر فى عدة أجيال وترسم لهم مساراتهم. فالرجل المولود فى العيينة سنة 1703، والمتوفى فى الدرعية سنة 1792، والمتنقل خلال حياته بين المدينة والبصرة، غيّر بكتابه «التوحيد» خرائط المنطقة، وبدل سلوكيات وأفكار الناس على مدى زمنى امتد ليومنا هذا.
حقق الرجل طموحه كمصلح دينى اعتبر أن الناس على ضلال، وأن مُهمته هى تقويم اعوجاجهم، وهذا نفس ما اعتقده حسن البنا عندما أسس جماعة الإخوان سنة 1929، وهو نفس ما رآه كل داعية دينى سياسى مُنذ قطرى بن الفجاءة وحتى جهيمان العتيبى. فكل صاحب فكرة، أسير لها، يُفنى عمره من أجل بعثها حية، وفى سبيل ذلك يستخدم خطابا إقصائيا، مصدرا للكراهية، ومحرضا على العنف والعدوان على الآخرين.
آمن حسن البنا أنه لا تعددية، ولا حزبية، ورأى أن كل فكر آخر بخلاف جماعة الإخوان محكوم عليه مسبقا بالضلال، ومن ثم فإن واجب الجماعة هو إزاحة الآخرين بالكلمة أولا ثم بالسياسة، ثم بالمال والسلاح فيما بعد.
وبمنطق شبيه، حكمت دعوة «عبدالوهاب» على كل القبائل فى الجزيرة العربية بالكفر، تحت باب تبرك الناس بالأضرحة، حتى أنها عرضت على المسلمين الإٍسلام مرة أخرى، وحارب المؤمنون بالفكرة مخالفيهم، واستباحوا دماءهم وأموالهم. ولم يكن غريبا أن تطلق الكتب المؤرخة للوهابية اسم «المسلمين»على المؤمنين بدعوة الشيخ، بينما سمّت الآخرين بـ«المشركين».
ولا فارق فى ظنى بين الخطابين، خطاب حسن البنا الإقصائى، الاستعلائى، الداعى للصراع مع الآخرين تحت هدف تحقيق الخلافة، وخطاب الوهابية المكفر للآخرين، والمحرض عليهم تحت زعم تخليص التوحيد، لقد انتهج كلاهما العنف، وبعثا الكراهية، ومارسا التعصب، لكن أحدهما نجح فصار اسمه مصلحا، بينما فشل الآخر فصار مضلا وموصوما بكل كريهة.
لقد اعتبرت كافة الكتابات المعاصرة لحياة محمد بن عبدالوهاب، الرجل داعية ضلال وفرقة، ووصل الأمر بشقيقه نفسه الشيخ سليمان بن عبدالوهاب وهو عالم دين إلى إصدار عدة كتب ورسائل للتحذير من أفكاره، وتبارى علماء الأزهر واسطنبول فى ديباجة ردود تفصيلية على دعوته.
يحكى لنا صاحب كتاب «عنوان المجد فى تاريخ نجد» كيف قتل الوهابيون الأمير عثمان بن معمر فى المسجد فى العيينه بعد فراغه من صلاة الجمعة، لأنه ليس معهم. ويرصد الباحث فى التاريخ النجدى سعود السبعانى عشرات الوقائع التى أزهقت فيها الأرواح، وأريقت الدماء وخربت الديار لإرغام الناس على قبول دعوة الوهاب، ثُم كيف جرى العدوان على أضرحة الصحابة وآل البيت وأمهات المؤمنين، وأماكن مولد ونشأة النبى «ص»، رغم أن أحدًا لم يكن يعتقد أنها تضر وتنفع. وهذا فى تصورى ما دفع السلطان العثمانى باعتباره رأس السلطة السياسية فى ذلك الوقت إلى تكليف محمد على بالقضاء على الدعوة الجديدة، وبالفعل نجح ثعلب مصر فى محو الفتنة على الأرض، لكن ظلت الأفكار لها أجنحة، فعادت بعد حين لتتمدد وتُهيمن.
يُعلمنا التاريخ أن الدين كان دوما فى الإسلام وكافة الأديان سلمًا للصعود إلى السلطة، يستغله طلاب السلطة فى هدم دول وإقامة غيرها، وعلى أرض الواقع نجحت الفكرة فى بعض الأحيان وفشلت فى أخرى، لكن كان جوهر الفعل واحدًا هو الانتهازية.
والله أعلم.

[email protected]