بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

نبضات

فهل ستكون سعيدًا يا أبى؟

حفنة من عظام لا تملأ راحتيْ يديّ، قالوا: هذا أبوكِ.. خذيه، فالأرض تلفظ موتاها، وغدا ستزهر فى القبور معاول التطوير، نظرت فى بقاياك يا أبى، وأنا لا أعى كيف يكتب علينا القدر أن ندفن موتانا مرتين، الثانية أقساهما، فلا وجه يحتضنه اشتياقى إليك، ولا كفين أقبلهما وداعا، ولا حتى هيكل أستعيد على هيئته ذكرياتى معك.. فقط بضع عظيْمات كانت يوما إنسانا يحمل تاريخا من الحب والنبل والحنان، يمشى فتهرول خلفه قلوب أبنائه متمنية عودته سريعا، الآن.. أين أنت؟ تهاوت على رفاتك تخيلاتى، بحثت عن ثوبك ناصع البياض الذى أحاطوك به منذ بضع وثلاثين عاما، وأنا أجفل عينى وأنزوى فى ركن خلف أمى، طفلة لم تتخط السادسة، أرقب ما يفعلون غير مدركة؛ لِم يحيطونك حتى رأسك بذلك الرداء، ولِم يحملونك دون مقاومة منك ويودعونك تلك الغرفة الضيقة تحت الأرض.. وانتظرت.. انتظرت أن تنتفض صارخا فى الجميع، أن تنزع عنك ذلك الرداء وتجرى نحوى، تحتضن كفى الصغيرة ونهرب معا بعيدا عن هؤلاء الأشرار..

لكنك لم تفعل يا أبى، وعندها أدركت أن الفقد هو عدو الإنسان الأول، ومنذها والفقد يترصدنى أينما حللت.

كبير هو بيتك الجديد، لكنه أصغر من أن يحوى ذكرياتى معك، أصغر من أن يحوى آلام اشتياقى.

جديدة هى تلك المدينة، بعيدة عنى، لكنها جديدة، جيرانك الجدد هم «الخالدون»، ستجاور أسماء لطالما تمنت ابنتك أن تراهم واقعا، بيتك تحيطه الأشجار ويعلوه سور ضخم راقٍ، لك غرفة مستقلة، ولن تكون مضطرا للانزواء إفساحا لساكن جديد، فالغرف كثر..

لكن هل ستكون سعيدا يا أبى ببيتك الجديد، رغم كل هذا الترف؟

لن أستطيع زيارتك كثيرا، ولك أن تسامحنى؛ فالمسافة أبعد من أن تقطعها ابنتك مرات فى العام.. ستفتقدنى، ربما اشتقت لصوت دعواتى ونشيجى وأنا أقف عند حدود رأسك أقص عليك ما أقاسيه بعد رحيلك عنى.. فهل ستكون سعيدا؟

دعنى أمنّى نفسى بسعادتك، بقدرتك على التأقلم، حتى لو لم تستطع رؤيتى كثيرا، دعنى أحاول نسيان أنك ما عدت أنت، دعنى أبحث عن مكان بروحى أخفى فيه بضع عظيمات لا تملأ راحتى يدى.