خارج السطر
أسلحة لم تكن فاسدة
فى 10 يونيو سنة 1953 أصدر المستشار أحمد كامل ثابت حكما قضائيا ببراءة جميع المتهمين فيما عُرف زورا بـ»قضية الأسلحة الفاسدة»، بعد ثلاث سنوات من تداول القضية بالمحاكم، والاستماع للشهود، والتعرف على آراء الخبراء.
فجّر القضية الكاتب إحسان عبدالقدوس على صفحات روزاليوسف، وفق معلومات سربها له الضباط الأحرار، فكتب «إنه تم منح الجنود أسلحة فاسدة تشمل قنابل تنطلق إلى الوراء، ورصاص خردة لا يصل إلى صدور الجنود».
وطلب إحسان أن تتم محاكمته إن ثبتت براءة المتهمين الذين باعوا للجيش أسلحة فاسدة.
وتقدم مصطفى نصرت وزير الحربية فى يوليو 1950 ببلاغ إلى النائب العام للتحقيق فيما نشره إحسان عبر ثلاثة وعشرين مقالا، تأكيدا لمبدأ الشفافية وسعيا لاستجلاء الحقائق.
كان من بين الأسلحة محل الادعاء مدفع فئة 105 ملليمتر وذخائره، لكن التحقيقات أثبتت أن هذا المدفع لم يستخدم فى الحرب. ووفقًا لشهادة سعد الشاذلى، فى مذكراته، وقد شارك فى الحرب، فإن القنابل التى قيل إنها فاسدة لم يسبق للجنود التدريب عليها، خاصة أن قرار المشاركة فى الحرب اتخذ فى يومين فقط.
لم تكن هناك أسلحة فاسدة كما كتب إحسان، ولم يزد الأمر على إهمال وشبهة عمولات ترتبط بموردى الأسلحة، ورغم ذلك، فقد تحول الادعاء إلى حقيقة ساطعة استخدمت فيما بعد لتأجيج الشعور ضد كل شيء. ولم يكن غريبا أن يتضمن بيان حركة يوليو 1952 إشارة لتأكيد هذه الفرية على لسان أنور السادات حيث يقول «إن الفاسدين والمرتشين تسببوا فى هزيمتنا فى حرب فلسطين».
وقطعا فقد كان للهزيمة ألف سبب وسبب سوى الفساد والعمولات، ولم تكن هناك أسلحة عكسية، لكن راسمى الخطط السياسية والمخططين لقلب الأنظمة فى مصر وخارجها استعانوا بكل شيء لتمرير خططهم.
وفى نص تنازل الملك فاروق عن العرش، وضع مصطلح «الأسلحة الفاسدة» كأحد مبررات خلع الملك.
وبعد زوال سلطة الملكية، وهيمنة رجال يوليو، غرّد كل الأفاقين لصالح الأكذوبة، فجاء فيلم «رد قلبي» ليُرسخ فى أذهان الأجيال القادمة قصة الأسلحة الفاسدة التى تقتل مستخدميها، حتى أن أحد أصدقاء البطل الأعزاء استشهد بها.
لم يُفكر أحد بعمق فى كيفية تمرير أكذوبة تقوم على بيع صفقة سلاح لدولة بحجم مصر دون لجان متابعة وفحص وتأكد واختبار. لم يسأل عاقل نفسه كيف يُمكن لتجار سلاح (سمعتهم هى رأسمالهم الحقيقي) أن يبيعوا لأحد أسلحة تقتل مستخدميها! ثم كيف يمكن للقضاء المصرى أن يُبرئ ساحة قتلة المصريين حتى بعد تداول القضية فى المحاكم عقب نجاح حركة يوليو؟!
لم يقتصر الأمر على ذلك، وإنما وضع مزورو التاريخ نصًّا فى الكتب المدرسية حول استخدام الأسلحة الفاسدة فى الحرب، وتربت أجيال وأجيال عليه.
أما إحسان عبدالقدوس فلم يعتذر عن خطأ أوقعه فيه حسن ظنه بالضباط الأحرار، وحماسه لهم، وإن كان دفع مثل كثير من المثقفين ضريبة الحماس للسلطة الفاشية، فبعد وصول جمال عبدالناصر إلى السلطة، أمر بإيداع إحسان فى السجن الحربى ليتم تأديبه حتى لا يتحدث مرة أخرى عن الحرية، وبعد قليل خرج مفضلا الكتابة الروائية، والسينمائية، وصامتًا تمامًا عن السياسة.
والله أعلم