النشال و«الكرودية»
النشالون فئة تمتاز بسرعة الحركة والبديهة، و«خفة اليد» وأحيانًا كثيرة بـ«خفة الدم»، بالإضافة إلى مجموعة من المهارات الفردية لكل عضو فيها، تلك التي جعلت من محمود جمعة وشهرته «القرص»، و محمد الدرستاوي، من أكابر النشالين في ثلاثينيات القرن الماضي، فكان لكل منهما أساليبه المختلفة، وألاعيبه المتنوعة، وفنونه الخاصة لجذب المَحَافظ المنتفخة من جيوب الضحايا «الكروديات» إلى حوزتهم، ورغم تعدد الأساليب والألاعيب، يبقى الكرودية ومحفظته، هما القاسم المشترك بين فئة النشالين ولغتهم.. وإليكم التفاصيل:
النشال في لغة اللصوص يدعى « السهايرجي»، وقد يساعده لص آخر يدعونه البلطجي، ومهمته إشغال الزبون؛ حتى يتسني «للسهايرجي» أن يقوم بعملية تحويل الأموال من جيب الضحية إلى جيوبهم، وعندما يتم المراد يلقي «السهايرجي» ما تم نشله للبلطجي ليفر بها بعيدًا، فإذا قام البوليس بالقبض على النشال تكون النتيجة إطلاق سراحه بعد تفتيشه، وعدم العثور على شيء بحوزته.
ننتقل إلى الكائن الطفيلي في عالم النشل، وهو«التنبل»، وهذا الشخص يقوم بمراقبة النشال وتتبعه أثناء مراحل التهام فريسته، فإذا انقض النشال على الضحية وفاز بما يريد طلب نصيبه وإلا وشى به، أما الضحية فيطلقون عليها اسم «الكرودية»، ولا أحد يعرف على وجه الدقة أصل هذه الكلمة ومن أين أتت!
نعود إلى محمود جمعة وشهرته «القرص»، فقد بلغ مجموع ما نشله حوالي خمسة آلاف جنيه، وهذا الرقم يعني الكثير في ذاك التوقيت، ودليلًا قاطعًا على مهارة نشال لم يتجاوز الثالثة عشرة، ولِمَ لا، وكانت أمه تدير مدرسة لتعليم النشل، وتلقي محاضرات في فنونه، مع عدم إغفالها نقل التجارب الشخصية والخبرات العملية للدارسين، في هذه المدرسة؛ على الطالب أن يجتاز اختبارًا عمليًّا ليكون جاهزًا لشق جيوب «الكروديات»، فتأتي لهم «أم القرص» بطشتٍ تملؤه بالماء، ثم تضع على سطحه قطعة من الورق الشفاف، وعلى الممتحن شطرها إلى نصفين دون أن تغوص الورقة في الماء.
وروي أنه عندما نصحه أحد الضباط بأن يتوب عن السرقة، قال له: «ما أقدرش يابيه.. دي المحفظة تشوفني في جيب «الكرودية» تترقص قدامي وتبقى عاوزه تجيني».. وهذه العبارة تلخص فلسفة فئة النشالين عامة، جيب الضحية ولا شيء سواه.
أما محمد الدرستاوي، فكان نشالًا ذائع الصيت، وقد قابل ذات يوم أمين محفوظات مصلحة التنظيم سائرًا في ميدان العتبة الخضراء، فتظاهر أمامه بالإغماء، وأشفق عليه أمين المحفوظات ومد يده يسنده؛ لتكون يد «الدرستاوي» قد وصلت إلى بنطلون سيادته ونشله، ومن غرائب «الدرستاوي» أنه كان يحمل المصحف متظاهرًا بالتقوى، وعندما تم القبض عليه ظل يبكي ويقول «يا بيه إحنا عايشين بالشرف وبطلنا الكار ده»!
وبمناسبة النشالين ولغتهم، سأل المستشرق المجري البروفيسور «أرنو يوهاس» الكاتب الكبير أحمد رجب عن شخصية «كمبورة»، فقال له إن اللغة العامية التي يتكلم بها «كمبورة» لا أفهمها، رغم أني متخصص في اللغة العامية المصرية، ويرد الكاتب الكبير أحمد رجب: «قلت للبروفيسور يوهاس: ليست مشكلتك وحدك يا سيدي، فإن المصريين أنفسهم لا يفهمون لغة «كمبورة»، فهي لغة الانفتاح التي ابتدعت ألفاظ الأرنب والأستيك والباكو والتمساحة والخنزيرة، وأصبحت تتكلم فيما بينها بألفاظ وتراكيب غريبة تمامًا كما يتكلم النشالون علنًا بلغتهم الخاصة أمام الضحية، دون أن يدري الضحية أن نشالاً يبيعه لنشال آخر،.. إننا في نظر «كمبورة» قوم من الكروديات والبلهاء، الذين مكنوا له أن يتحول من مجرم صعلوك إلى مجرم ذي جاه، يتعذر علينا بعد فوات الأوان أن نعاقبه، فقد أصبح فوق العقاب.. كروديات نحن يا سيدي البروفيسور بدليل أننا نضحك من « كمبورة» في رسومات مصطفى حسين بينما هو الذي يضحك علينا».
في النهاية.. قد تتغير الأزمنة، وتتغير معها صفات النشالين وألوان جلودهم، لكن تبقى روح القرص والدرستاوي وكمبورة عابرة للزمان، تسخر من الضحايا وتراهم دائمًا مجموعة من الكروديات!