بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

ضوء في آخر النفق

أشاطرك الأحزان يا صديقي

لا يستحق زميلنا الكبير وصديقنا محمود سعد هذا المصير! وليس وحده في الحقيقة، وإنما شعبنا الطيب كله لا يستحق ذلك. محمود سعد زميلي لسنوات في مجلة صباح الخير، فاجأنا في تصريحات له على اليوتيوب باكتشافه مؤخرًا أنه وأسرته  كانوا يتناولون لحم الحمير طوال ٤٠ عامًا، وهم آمنون مطمئنون أنهم  يأكلون «أنضف» وأشهى وأطيب لحم، بحكم العلاقة التاريخية التي امتدت طوال هذه السنوات، وربطت بين السيدة والدته وجزار منطقتهم الذي كان يلبي كل طلباتها من اللحم «الجيد»! يكفي أن تطلب تليفونيًّا. لم تكن  والدة محمود تثق في أحد سوى «الجزار بتاعها»، ولم يدر بخلدها أبدًا أن أسرتها ستصحو يومًا على مأساة. أتخيل محمود كان يأكل صوابعه العشرة وراء كل قطعة لحم تذوب في شفتيه من فرط الجمال، ربما أعقب كل وجبة شهية من اللحم بابتسامة رضا وطبع قبلتين على «وش وضهر الإيد» حمدًا وشكرًا لله! وربما فكر في أن يكتب له رسالة شكر  يومًا ما؛ كونه على قدر الثقة التي تجاوزت الست الوالدة إلى كل الأسرة. الوحيدة التي لو كانت ساورتها الشكوك ما كانت لتسكت عنها هي الكاتبة الصحفية المرموقة بمجلة صباح الخير نجلاء بدير! آه لو أن القلق تسرب إليها أو تشككت للحظة في نوايا الجزار وأنه قد يتلاعب بنسبة واحد بالمائة، آه لو أنه أخطأ يومًا في شيء يستدعي الشك، كأن يرسل بالخطأ قطعة «شغت» مثلًا، أو «جوهرة» غريبة أو ما شابه، لقلبت الدنيا وحققت القصة، وربما أفضى تحقيق صحفي تجريه إلى سجن الجزار، ولمنعت استمراره في الخداع لأسرة محمود سعد، طيلة هذه السنوات. أتصور أن محمود الوفي لو ترك منطقة السيدة زينب وسكن في التجمع الخامس لم يكن ليتعامل مع جزار آخر، وإنما سيواصل الطلب من جزار العيلة تليفونيًّا البوفتيك والسجق وقطع بيت الكلاوي والعكوة والدش، كما ينبغي لها أن تكون.. وإما أن يرسل سائقه ليأخذها أو يمر عليه هو من باب المودة وقراءة السلام، فالعشرة الطيبة مقدرة عند زميلنا الطيب محمود سعد.

- ليت محمود سكت عن الطلب، وليت نجلاء تشككت يومًا وبشكل مبكر، وليت الجميع لم ينتظر الصدفة العجيبة التي قادتهم إلى الحقيقة! لا أعرف مشاعر محمود سعد الحقيقية وهو يروي لنا المأساة: «اكتشفنا أننا بناكل لحم حمير على مدى أربعين سنة من الجزار بتاعنا»!

شخصيًّا أحيي شجاعة محمود لأنه تجاوز الهم الخاص ونفذ  منه إلى العام، ليبلغنا أنه ليس بسطاء الناس فقط هم من يتعرضون لمثل هذه الخدع والألاعيب، وإنما هناك مشاهير أيضا وسيدات أسر وبيوت محنكات ولديهن القدرة والخبرة، يسمحن للثقة بأن تقودهن إلى ما لا تحمد عقباه، تمامًا كالموقف الذي كشفه محمود سعد بهدوئه المعتاد، وطرحه الشفاف. وأظن أن هدفه كان مواساة الناس عموما، إذا اكتشفوا أنهم يأكلون لحم حمير، فها هو وأسرته مثلهم مثلنا حدث لهم ذلك! ولكن الرسالة الأهم هي أن المجرم–وهذا جزار مجرم–قد يستتر بجرائمه طوال أربعة عقود كاملة، حتى يمر محمود بالصدفة ويكتشف إغلاق المحل بالشمع الأحمر، والسبب أن جزاره يبيع للناس لحم حمير! أشاطرك الأحزان يا صديقي!