بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

ضوء فى آخر النفق

كلمة وداع!

 «الدنيا بتفضى من حوالينا». كل يوم نفقد عزيزًا أو أكثر، من المبدعين أو العاديين.. الفقدان لا يعرف التمييز بين المحبين. صوت الدكتور يسرى عبدالله أستاذ الأدب والنقد والكاتب والناقد المعروف جاءنى ونحن نفقد معا واحدًا من أنبل شعراء مصر وهو الشاعر محمود قرنى، وصوت صديقى مدير تحرير الأخبار دكتور محمود عطية جاءنى عبر الهاتف ناعيًا الكاتب حمدى أبو جليل، وصوت الكاتب الصحفى أسامة سلامة ونحن نتبادل العزاء فى وفاة الكاتب الساخر الكبير عاصم حنفى أهاج عشرات الذكريات عن أحلام الشباب فى الصحافة والسياسة، على ضوء انتمائنا لمؤسسة روزاليوسف منذ بداية ثمانينات القرن الماضى. «ثلاث خبطات متتالية فى الراس توجع». عرفت الشاعر محمود قرنى متأخرًا، تقريبا فى أواخر ٢٠١٩. كنا نناقش كتاب نبيل عبدالفتاح الحقيقة والوهم، وقدم ورقة بديعة عن مجمل أفكاره، لا أظن أن أحدًا غيره يمكنه كتابتها بهذا الأسلوب الفريد، الذى ينضح شاعرية وفكرا وثقافة، فهو كاتب مثقف يجمع بين الحسنيين: الانفتاح الهائل على الثقافة الغربية، من بابلو نيرودا وكافكا إلى ماركيز وغيرهم، والنهل من معين الثقافة الشرقية بكل تجليات رموزها وأشعة ضوء مبدعيها وكتابها ونقادها ونظرياتها. وهب محمود قرنى حياته من أجل الإبداع والثقافة ولطالما تمنيت أن نقوم بتكريمه بما يليق به، حتى إننى كنت أتعقب هذا الفتى الأسمر النحيل، الذى يفىء علينا بإبداعه بما يروينا ويملأنا، ترك محمود قرنى رصيداً هائلا من الإبداع الشعرى والنقدى والصحفى سيبقى نبراسًا لأجيال من بعده، وفوق هذا كله كان يتجلى بإنسانيته فى انحيازه للفقراء والبسطاء والعمال والمسحوقين. وكان من أجمل ما فيه هو كبرياؤه الإنسانى، ولعل هذا ما لفت انتباه الشاعر الأردنى من أصل فلسطينى موسى حوامدة، الذى أشار لى أكثر من مرة بهذا المعنى قائلا عبارته الأثيرة: «قديش محمود قرنى كان عنده كبرياء».

فى عزاء عاصم حنفى آخر رفاق «روزاليوسف» من عصر التميز والإبداع، التقيت أغلب صحفيى مصر فى تلك الليلة.. وكانوا يعزون بعضهم البعض، ويشعرون بحجم الفقد الذى خلفه عاصم أحد الساخرين العظام فى هذا الزمان، والذين ملأوا الدنيا بأعاجيبهم وحواديتهم ومعاركهم وكتاباتهم، مثل الولد الشقى عمنا محمود السعدنى، والرائع جلال عامر، وصولا إلى هذا الـ«عاصم» الذى اشتهرت مقالاته التى ترافقها صورته الكاريكاتورية الساخرة وهو «يضع ديله فى أسنان قلمه ويقول يا فكيك»، لكنه هروب من الكتابة ثقيلة الظل إلى الكتابة الشقية الساخرة الطازجة، فيكتب ويسخر وينقد ويشرق بخفة دم كانت شهيرة ولصيقة به داخل أروقة «روزاليوسف». وكان غيابه مأتما محزنا لكل من عرفوه. لا أحد عزيز على الموت، فهو يخطف الجميع، ويتركنا نحن المحبين فى لحظات فقد مريعة وكأنها لحظات موت على قيد الحياة.

كثيرون أحزنهم رحيل الناقد والكاتب حمدى أبوجليل، فقد كان أحد علامات الوسط الثقافى، ورحيله المفجع أثر فى كثيرين. حقيقى «الدنيا بتفضى من حوالينا»، وما أكثر من فقدناهم فى السنوات الأخيرة، حتى إننا نخشى ألا نستطيع تعويض من فقدناهم، ونحن فى هذه الحالة من الإنهاك الفكرى والاقتصادى والمعنوى، ومن التراجع الثقافى والتعليمى. رحمة الله على الجميع.