بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كاريزما

ورحل أكثرنا نضارة!

ما حيلتنا وقد أصبحنا نرثى بعضنا البعض. بدأ العد التنازلى لجيل كانوا يسمونه جيل الشباب الى وقت قريب.. أودع اليوم شاعرنا الكبير الطيب محمود قرنى ؛ وكان اكثرنا نضاره واخلاصا للقصيدة العربية الحديثة؛ رهن نفسه فى خدمة تطويرها و أوقف دمه من أجلها. اذكر انه كان يتابع قصائدى باهتمام وفى إحدى ساعات الظهيرة من شتاء ٢٠٢٠ طلبنى فى جريدة الوفد وسألنى عن احوالى وكتاباتى فقلت له أستعد لإصدار كتاب نقدى عن شعراء الثمانينيات؛ لكنه قاطعنى وطلب منى ان أقابله فى أتيليه القاهرة لنتحرك بعدها الى مقهى هادئ لنتبادل قراءة قصائدنا وفى الميعاد قال لى كأنه يأمرنى: اترك مقالاتك وأسمعنى قصائدك الجديدة. فهذا هو الأهم واخرجت من حقيبة يدى مسودة لديوانى (قلب يهوذا) وراجعه معى كلمة كلمة وكنت أتابعه بقلمى كى أصحح ملاحظات فأنا أثق فى أحكامه.

ومواقفه معى كثيرة تصب جميعها فى خانة الإخلاص للغة العربية والقصيدة الحديثة. محمود قرنى لم يكن يهتم بجمع ثروة تحميه وتحمى أولاده لكنه أدرك مبكرا انه أمام طريقين اولهما طريق الشعر والثانى طريق البحث والكتابة الفاعل للوطن؛ تمكن اولا من تأصيل قصيدة الحداثة حتى اطلق عليه النقاد صاحب القصيدة المعرفية فكان متفردا وصاحب رؤية وأسلوب ومفردات تخصه هو وحده.

منذ دواوينه الاولى وهو يطرح رؤى خاصة به فاعلة فى ضمير القصيدة؛ ومن يتابع الخط البيانى لكتبه يجد ديوان (حمامات الانشاد) مبشرا بهذا التقدير لتراثنا العربى وكيف زاوج فى تفرد أصيل بين الموروثين الشعبيين المصرى والفلسطينى نابض فى كل بيت شعرى ؛ راميا تضاريس درامية فى مرمى المنطق و كأنه يشتق من اللامعقول قوة اليقين وقد يكون بهذا قد توصل إلى حلول لمستحيلات الجمع بين الحضور والغياب او الوعى والجنون الشعرى.

اكثر من أربعين كتابا فى الشعر والنقد تركها محمود قرنى من اهمها (لعنات مشرقية) و(الشيطان فى حقل التوت) و(خيول على قطيفة البيت) الى جانب كتاب نقدى لاذع (لماذا يخذل الشعر محبيه).

اختار مجموعة ابيات لقرنى وكأنه يرثى فيها نفسه.. يقول: اهمها عربة الموتى.. الروح تصعد الى نجمة معلقة. فى عنق الليل والعجلات تمهد لنفسها طريقا الى ضوء بعيد.. انت جزيرة طائرة او انت كتاب تخلى عن المشيئة.. الضوء يمر وحيدا.. وانا لا أملك سوى هلالين.

[email protected]