بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

السلفيون.. الوعد الباطل

دكتور عماد عبدالغفور (مواليد الإسكندرية 1960) رئيس حزب النور السابق، كان ضيفًا على قناة «الجزيرة» مساء الأربعاء 14 يونيو الجارى، ولمدة نصف ساعة تقريبًا، وكان موضوع الحلقة حول التيارات السلفية. تحدث دكتور عماد عبدالغفور عن التيار السلفى فى مصر، وتعريفه وفهمه لمعنى أن تكون سلفيًا، وقال إن الضغوط التى يواجهها التيار السلفى اليوم هى الأكبر والأشد قسوة، وأنه لو تركت حرية الاختيار للناس لاختاروا التيار السلفى، ورغم تأكيده على حجم الضغوط التى يتعرض لها ما يسمى بالتيار السلفى فى السنوات الأخيرة، قال دكتور عبدالغفور إن التيار السلفى اليوم بخير، ودليل ذلك كثرة حفظة القرآن، وكثرة المصلين بالمساجد وانتشار الحجاب. وبمنطق ولغة الإخوان بعد 2012 عرج الدكتور عماد عبدالغفور على حقبة الستينيات، وقال حرفيًا إن التيار السلفى والإسلامى عامة كاد أن يختفى فى مصر نتيجة الضغوط الشديدة من النظام الناصرى.. 

أعتقد أن رئيس حزب النور السابق، دكتور عماد عبدالغفور لن يختلف معى بأنه لا خوف على القرآن الذى نزلت بشأنه الآية الكريمة «إنا نَحْنُ نـزلْنَا الذِّكْرَ وأنا لَهُ لَحَافِظُونَ»، وأعتقد أيضاً أن سيادته يعلم أنه من الطبيعى أن يكون حفظة القرآن فى مصر وتعدادها اليوم أكثر من مائة مليون، أكبر كثيرًا من عدد الحفظة فى مصر الستينيات وعدد سكانها لا يتجاوز 30 مليون نسمة، وفى كل الأحوال فعدد الحفظة ليس مؤشر لقوة الأديان والتدين، وإنما الدوافع الاجتماعية والاقتصادية هى المحرك والمحدد القوى لهذا التوجه، خاصة بريف مصر. وإذا كان الدكتور عماد عبدالغفور قد نسى أو تناسى، فمن منطلق أن الذكرى تنفع المؤمنين أنبهه لحقيقة أن إذاعة القرآن الكريم أنشئت وبدأ بث إرسالها يوم 25 مارس 1964، وبتوجيه من الرئيس جمال عبدالناصر بعد ظهور نسخة فاخرة من المصحف الشريف، اتضح أن بها تحريفًا متعمدًا لآيات بعينها.

 أما كثرة عدد المصلين، فلم تكن يومًا دليل قوة تيار أو تعبيرًا عن تدين جمعى حقيقى، وأعتقد أنك لا تختلف معى فى أن ثلاثة من الخلفاء الراشدين قتلوا فى عصر السلف الأولين (الخلفاء عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان، على بن أبى طالب) والخليفة عمر بن الخطاب قتل بالمسجد العامر بالمصلين من حوله ومن خلفه.. أما رأى الدكتور عماد عبدالغفور بأن التيار السلفى كاد يختفى فى الستينيات أمام ضغوط وقسوة النظام الناصرى، وأن المساجد كادت تخلو من المصلين وتراجع عدد حفظة القرآن– الحقيقة يا سيدى أنك فيما يبدو لى لا تعرف مصر جيدًا ولا المصريين، ومن الخبل والسفه الفكرى أن تطعن فى عقيدة وإيمان مجتمع بكامله، وتعلم يا دكتور أن ما تفضلت به، هو منطق الخوارج فى كل زمان.

مشكلة التيار السلفى فى مصر وتيارات الإسلام السياسى بوجه عام، أن من يحاربون معركة هذه التيارات ويرفعون راياتها من النصف الثانى من القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا، يعيشون فعليًا حالة انفصام تاريخى، وانفصال تام عن العصر. كان الإمام محمد عبده (1849م – 1905م) مشروعًا عظيما للتحديث والإصلاح الدينى الحقيقى، وأجهض مشروعه التحديثى الكبير، على يد أبرز تلاميذه محمد رشيد رضا (23 سبتمبر 1865 – 22 أغسطس 1935) وهو من مواليد قرية القلمون بلبنان وانتقل إلى مصر يناير 1898 واستقر بها حتى وفاته.. ومن مدرسة محمد رشيد رضا السلفية المتشددة تخرج منها وخرج عليها حسن البنا (14 أكتوبر 1906 - 12 فبراير 1949م) تلميذا جديدا، تجاوز سلفية معلمه ليؤسس جماعة الإخوان المسلمين كحركة دعوية سياسية تتخفى وراء رايات دعوية، وعينها وسيفها وعقلها الماضوى على السلطة. 

الحقيقة أن الدكتور عماد عبدالغفور لم يكن موفقًا على الإطلاق فيما عبر عنه من أفكار وآراء، وأساء للأديان عامة وأهان روحها، بوزنها بعدد المصلين وحفة القرآن، وباختزالها فى قطعة قماش.. الله جلّ علاه يا دكتور منح الناس حرية الاختيار بين الإيمان والكفر – والدين يا سيدى – أى دين – كما يقول الباحث الأستاذ صلاح سالم فى مؤلفه القيم «الأساطير المؤسسة للإسلام السياسى» لا يمتلك حقائق التاريخ كاملة، ولا يستطيع السيطرة على الواقع، ولا التصدى لأسئلته العملية، وأن تيار الإسلام السياسى يحتاج لاجتهادات جسورة تدفعه لقبول «العلمانية السياسية» التى تبقى ضرورة أولية لأية دولة مدنية. 

وبذكر الدولة المدنية الحقيقية، وبرغم خطورة تسميم الفكر الجمعى للمصريين بسلفية بغيضة مخاصمة للعلم والعقل والعصر – إلا أن المختفى بقاع الماء الآسن أكبر وأخطر بكثير مما يظهر على السطح – وهذا ما سيظل معطلًا لتأسيس دولة مدنية حقيقية.