بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

لجنة تقصى حقائق لـ5 يونيو

الهزائم مُعلمة، تُضئ لنا عتمات الذات، تُنبهنا لنفكر، نتساءل، ونراجع أنفسنا. ما الخطأ؟ ما الخلل؟ وكيف العلاج؟ 

قال الحكماء قديما: ألف شُكر للهزيمة، لأنها تنتشلنا من غفلة التحقق، وزهو التفوق. فالحياة كر وفر، وكل فر يدفعك أن تفكر فيما حدث، ولم؟ وكيف؟ قبل أن تبدأ الكر.

من هُنا، وبعد ست وستين عاما أجد أن هناك حاجة ماسة لتشكيل لجنة تقصى حقائق عليا لدراسة هزيمة يونيو سنة 1967. لا تستهدف اللجنة محاكمة أحد، فكافة القادة والمسئولين يحاكمون بالفعل فى محكمة أعلى لا يشوب عدالتها شك. ولا تسعى اللجنة لتقديم لوم أو عتاب لشخص بعينه، فالوقت مر، وأى حديث جديد فى هذا الشأن لا معنى له الآن. والمهم بل والأهم فى رأيى هو التعلم والاستفادة واستقراء الظروف التى أدت إلى الهزيمة، والسعى لتجنبها مستقبلا. 

لم تكن صدمة يونيو 1967 نتاج هزيمة عسكرية تشهدها ميادين القتال فقط، وإنما كانت بمثابة هزيمة نظام تصور أن رأسه أكبر من بلاده وشعبه، وظن أن أحلامه وأفكاره هى الصواب المطلق، واعتقد أن قبضته الحديدية تضمن له القوة والبقاء بل والمجد لوطنه.

 صحيح سالت دماء خمسة عشر ألفا من المصريين قتلتهم آلة الحرب الإسرائيلية خلال الحرب، وصحيح أن خزانة مصر، خسرت مليارات الدولارات، وأصيبت مسيرة التنمية بالشلل التام لعدة سنوات بسبب توجيه معظم الإنفاق للحرب، لكن النتيجة الأكثر سوءًا كانت انكسار أحلام أجيال ساعية للتقدم، وتسطح عقول شباب جم أحب وطنه، ثم انجرف مع مَن انجرفوا فى سيل الإسلام السياسي، ليزلزلوا أركان المجتمع كله عقودا وعقودا.

شقلبتنا خمسة يونيو كما لم يفعل حدث من قبل. بدلت سلوكيات، وكسرت طموحات. غرست غرس اللامبالاة واللانتماء، فتفتت أصول التفكير العقلانى والمنطقى لدى كثيرين. ركنت العلم والعقل وقيم الحوار والتخطيط والتطلع للغد على رصيف الطريق، واستدعت فكرة البركة، والحظ، والفهلوة.

لقد انتصرنا فى أكتوبر 1973 بفضل عبور جزئى لمدخلات الهزيمة، لكننا لم نبرأ من الداء تماما، ولم نتعلم ما ينبغى تعلمه. أفقنا قليلا لنعبر ونستيعد أرضنا السليبة ثم انغمسنا مرة أخرى فى سبات يونيو. 

قبل أيام حكى لى أستاذ جامعى صديق يُعد واحدًا من عباقرة العلماء المعدودين والمنسيين فى بلادى حكايات دالة على التدهور الأعظم فى التعليم الجامعي، وسألته عن السبب، ففاجأنى بتحليل غريب مفاده، أننا مازلنا ندفع ثمن هزيمة يونيو 67.

وقبل عام نشر الباحث المخضرم خالد فهمى حلقات متصلة عن هزيمة يونيو كرر فيها فكرة مخيفة اختلف حولها البعض، ترى أن مدخلات وظروف وأجواء الهزيمة مازالت قائمة، وأننا لم نتعلم الدروس المثلى، ولم نستفد من الهزيمة مثلما استفادت دول وأمم عظيمة.

 فى اليابان انسحق الحلم والأمل سنوات وسنوات بعد ضربها بأكبر سلاح مدمر عرفته البشرية سنة 1945، لكنها أفاقت فقاومت وركز قادتها التاليين على العلم والعمل، فأصبح الآن اليابان بلد التطور والتقدم.

وفى ألمانيا انهزم هتلر وشلة مجرميه من النازيين فى الحرب العالمية الثانية، لكن الشعب الألمانى لم ينهزم. تعلم وتقدم وتطور وعاد مؤثرا وعظيما.

ولا أتصور أن اليابانيين والألمان أفضل من المصريين فى شيء. آن الأوان أن نتجاوز خمسة يونيو سبعة وستين، ولن يحدث ذلك دون دراسة كاشفة وشفافة تُجريها الدولة المصرية للهزيمة بكافة تفاصيلها، وتعلنها للجميع دون حرج، بهدف وحيد هو أن تضىء لنا وللأجيال القادمة حكاما ومسئولين ومحكومين طريق التعلم.

والله أعلم.

[email protected]