بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

تاريخ يكتبه المنهزمون

هناك مقولة مُعتمدة كأنها حكم بات، نهائى، أطلقها وروج لها وينستون تشرشل رئيس الوزراء البريطانى خلال الحرب العالمية الثانية، مفادها أن «التاريخ يكتبه المنتصرون».

لكن هذه المقولة ليست صحيحة تماما، ففى أحيان كثيرة تغلب روايات المنهزمين وتسود، بل تصبح الأوسع انتشارا. وأكبر دليل على ذلك ما يتبادر إلى أذهاننا نحن العرب والمصريين على وجه الخصوص عندما نسمع كلمة «حُكم قراقوش»، إذ نتصور أن وراءها حكيًا عن الظلم والاستبداد والدموية.

وفى حقيقة الأمر، فإن قراقوش هذا هو بهى الدين قراقوش، وزير صلاح الدين الأيوبى، وكاتم أسراره، وأحد الدهاة والساسة الكبار فى عصره، إذ يُنسب له دور عظيم فى القضاء على الخلافة الفاطمية الشيعية فى مصر، وتوطيد دولة صلاح الدين. ومازال أحد الأبواب الرئيسية لقلعة الجبل بالقاهرة، والتى تعرف زورا بقلعة محمد على يحمل إلى يومنا اسم الرجل، باعتباره المشرف على البناء.

وهذا الرجل العظيم، سوّدت سيرته لأن خصما ومنافسا له فى بلاط الآيوبيين، وهو الأديب والكاتب الأسعد ابن مماتى كتب عنه كتابا ساخرا بعنوان «الفاشوش فى حُكم قراقوش» جمع فيه نوادر مضحكة عنه دالة كلها على الظلم، والاستبداد والحمق، وضعف الكفاءة. ويبدو أن ثمة خلافًا قويًا نشب بين الرجلين، انتهى دون شك بانتصار قراقوش، فقرر الثانى رد الهزيمة بأثقل منها بتأليف كتابه. ولأن الفكاهة هى صبر الناس فى بلادى، ولأن الإبداع أخلد وأبقى، ولأن صوت الأدب أقرب للعامة، ولأننا جميعا لا نصدق السلطة المنتصرة، فقد تفوقت رواية المنهزم ابن مماتى وصار قراقوش ممقوتا مكروها ومرجوما بكل نقيصة بعد دهر من الزمن.

وحسنا فعلت سلسلة الذخائر فى هيئة الكتاب، والتى تشرف عليها الصديقة والمبدعة الكبيرة سلوى بكر، أنها أعادت اصدار الكتاب بتحقيق متميز للدكتور عمرو عبدالعزيز منير، لتتيح لجمهور الثقافة لونا جميلا من ألوان الأدب الذى كسر رواية المنتصر تاريخيا علّ أحدا يعتبر، أو ذا لبِ يدرك أن الأدب ليس ترفًا عند بناء الدول.

يحوى الكتاب نوادر لطيفة شيقة تستحق الحكى، منها أن رجلا شكى لقراقوش تهرب أحد المدينين منه، فاستدعاه وسأله فادعى أنه كلما بحث عن صاحب المال ليرد ماله لم يجده، فأمر قراقوش بسجن صاحب الدين فى الحبس، حتى يعرف المدين مكانه.

ومنها أيضا أن مواطنا اشتكى لقراقوش أن بائع الحليب يغشه ويخلطه بالماء، فاستدعاه وسأله، فقال إنه فقط يقوم بغسله، فقال له الوزير: أنت رجل تحب النظافة، وأمر بسجن الشاكى.

ومنها كذلك أن قراقوش أصدر حكما بشنق لص، وعندما اقتادوه إلى المشنقة وجدوه أطول من خشبتها، وأن تعليقه فيها على حالها لن يقتله، فأخبروا قراقوش، فأمرهم أن يقفوا فى الشارع ليختاروا أقصر رجل ويشنقوه بدلا منه.

وقالوا إنه كان يربى صقرا جميلا ويعتز به، ثم طار هاربا، ولما عرف أمرهم باغلاق كل أبواب المدينة حتى يعود إليه مرة أخرى.

ورغم كل ذلك، فإن المؤرخ ابن خلكان يقدم لنا وصفا للرجل مفاده أنه شجاع، حازم لدرجة أن صلاح الدين وأبناءه يعتمدونه وزيرا لثلاثين عاما. وذكر أنه جاهد بجوار صلاح الدين فى حروبه ضد الصليبيين وسقط أسيرا فى معركة عكا، وأرسل السلطان فدية لتخليصه باعتباره أنجب رجاله. وقال عنه أيضا « كان حسن المقاصد، جميل النية، له أوقاف كثيرة، وكانت وفاته فى مستهل رجب سنة سبع وتسعين وخمسمائة بالقاهرة ودفن بتربته بالمقطم.»

وكم ذا من أنقياء حولتهم الروايات الشائعة إلى خونة، وكم أنذال وتافهين صنع منهم الأدب أبطالا.

والله أعلم.

[email protected]