بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

محاولة لفهم كلمة: متدين

قضيت نصف عمرى بحثاً عن تصور لمآلات البشر بعد الموت، وقضيت عمرى كله أفكر فى مراد الله من عباده سائلاً ومختبراً بعمق: ما الدين؟ وما العقيدة؟ وما مهمة بنى آدم على الأرض؟ وما غايات الأنبياء والمرسلين؟

بعقلى المحدود وعلمى المتواضع أتصور أن الدين هو حبل وصل بين الإنسان وخالقه، طريق لصناعة الخير وزراعة النفع للناس، كل الناس. 

ما خلافة الإنسان فى الأرض سوى نشر المنفعة، وإسعاد الآخرين! 

أرى الدين مصعداً نحو الرضا والقناعة وحب الناس. أتخيله فأساً تزرع، وعضداً يساعد، وكفاً رقيقة تمسح الدمع. أتصوره جهازاً مُنظماً لدقات القلب، يُلطف غيظاً، ويكبت غِلاً ويمنع انتقاماً. أحسبه سرينة إنذار ضد ظلم البشر فى كل مكان. أعتبره معولاً لهدم حوائط القبح، وأظنه رسالة سلام ضد الحروب.

ما الدين يا سادة سوى المعاملة الحسنة؟ الرحمة والمودة والتسامح؟ ما الدين سوى ألا تكذب. ألا تغدر. لا تفجر. لا تخدع. لا تتسلق نحو قمة زائلة على جثث من حولك؟

ما الدين سوى أن تنفع الناس، كل الناس. وتحترمهم، وتحترم ما يرون وما يعتقدون وما يتصورون. أن تُحسن إلى جارك، وغيره، دون انتظار لمقابل. أن تمد يداً حانية نحو مَن يحتاجها. أن تبتسم فى وجه الآخر، وتقف إلى جوار المُبتلى وتعين المصاب.

كُنت فى صباى مُتيماً بالبحث والتفكير فيما وراء الطبيعة، كنت أجد لذتى فى أن أتخيل العالم الآخر، وقائعه، مساراته، مآلات الناس فيه، وكيف يُمكن أن نشيد منازلنا فى بحثنا الدائم عن الخلود. قرأت فى العقائد، الأفكار، التصورات العلمية والفلسفية، ودرست مسيرة الإنسان فى الكون حقبة حقبة، وحللت حركة التاريخ وخلصت إلى أن معنى الخلافة فى الأرض هو نفع البشر.

 إن مهمة الإنسان هى أن يفيد العالم، والعبادة الحقة لا تتحقق دون ذلك.

قطعاً، فإن كافة الأديان بريئة من الدماء المسفوحة باسمها. وبعد أن اشتعل الرأس شيباً أوقن الآن أن الارهاب والقتل والتفجير لا يصح نسبته للإسلام أو المسيحية أو اليهودية. مَن يَقتل يُقتل لأنه بعيد عن الله ومراده، حتى ولو ظن غير ذلك.

إن الله لم يرد ترويعاً لعباده، لغماً ينفجر بين آمنين، رقاباً تُنحر تحت تكبيرات مهووسة، خلطاً للسياسة بالدين والدين بالسياسة، لعائن مشايخ الجمعة على اليهود والذين كفروا. خصاماً وكراهية ضد كل من لا يعتقد ما نعتقده، لم يأمر الله بتغييب العقل وإزدرائه. 

بهدوء وموضوعية أسأل وأفكر: من أقرب إلى نفع الناس؟ من أجمل وأطيب وأنبل؟ وليم مورتون أم أسامة بن لادن؟ ومورتون هو عالم أمريكى اخترع البنج فى منتصف القرن التاسع عشر ليمحو الألم عن مليارات البشر الذين يتوجعون عند كل عملية جراحية دون تخدير، أما بن لادن فهو ثرى سعودى أوقف أمواله على تلغيم دول عربية وتوظيف أبنائها للقتل والترويع تحت لافتة كاذبة تسمى الجهاد، ونصرة الله. 

إننا أمام صنفين من البشر: أحدهما يُرضى الله فى خلقه، فينذر عمره لإسعادهم ونفعهم علماً وسلاماً وتحضراً. والثانى يبث الكراهية ويعادى الأمان ويسفح الدماء شرقاً وغرباً. تُرى من منهم يُرضى الله أكثر؟ مَن هو المتدين الحقيقى؟

والله أعلم. 

[email protected]