طلة
12 رجلًا غاضبون!
رغم ان الفيلم تم إنتاجه عام 1957 إلا أننى قضيت فى مشاهدته مؤخرًا أكثر من ساعة والنصف من المتعة الحقيقية. أقصد بذلك الفيلم الامريكى الشهير 12 رجلًا غاضبون، وهو واحد من الأفلام التى تم اختيارها للحفظ ضمن الأرشيف الوطنى للسينما فى مكتبة الكونجرس الأمريكى لكونه أثرا حضاريا وتاريخيا وجماليا، وهو فعلًا كذلك رغم أنه ابيض واسود وتدور أحداثه فى غرفة واحدة وليس به أى بطولة نسائية، لكن العبقرية هنا فى الفكرة والتناول والمعالجة لقضية تحقيق العدل فى ظل نظام هيئة المحلفين المعمول به فى القضايا الجنائية فى الولايات المتحدة الأمريكية، مع ضرورة أن يكون قرار المحلفين بالإجماع.
يدور الفيلم حول اتهام شاب بقتل والده، حيث شهد اثنان من الجيران أنهما سمعا وشاهدا الجريمة وما قبلها من شجار بين الأب وولده الذى هدد بقتل الأب، لذا القضية تبدو سهلة ودور المحلفين الاثنى عشر ان يصدقوا على الحكم بالإجماع، فطلب منهم القاضى أن يدخلوا الغرفة للتداول قبل أن يخبروا المحكمة إدانتهم للمتهم أو عدم إدانته والتى كانت تبدو ضربًا من الخيال مع وجود شهود عيان، لكن عندما دخل المحلفون الغرفة وهم فى غضب شديد وبدأوا التصويت على الجريمة فوجئوا بأن أحدهم لم يجزم بأن الشاب مذنب ولم يجزم أيضًا ببراءته لكنه طلب مناقشة جميع ملابسات القضية وشهادة الشهود، حيث ليس من السهل ارسال شاب للإعدام بالكرسى الكهربائى دون التأكد من ارتكابه الجريمة. المحلفون الذين يمثلون جميع طوائف وفئات المجتمع الأمريكى ولا يربط بينهم أى علاقة شخصية.
من بين المحلفين رجل أعمال ونقاش وعامل ومندوب مبيعات ومدرب كرة وساعاتى ومهندس معمارى وصاحب جراج وسمسار بورصة وعجوز متقاعد. يدور بينهم وبين المهندس الذى يرفض ادانة المتهم دون مناقشة متأنية حوارًا رائعا متفردًا يجعلك تشعر أنك كنت واحدًا منهم. ليس فى الفيلم مثلا مشهد واحد فلاش باك ولم نرَ المتهم سوى فى ثوانٍ معدودة لم ينطق خلالها بحرف، لكن السيناريو المتميز ينقلك لتعيش الأحداث من خلال ذلك النقاش، وعقب كل جولة ينجح المهندس فى تغيير رأى أحدهم ويطلب اعادة التصويت وهكذا حتى قام الكل بعد مناقشات مستفيضة بإعلان عدم إدانة الشاب. مع استعراض الدوافع الشخصية التى حكمت قرار كل منهم بإدانة الشاب فى البداية قبل العدول عن ادانته، مثل العنصرية البغيضة تجاهه من بعضهم بل إن أكثرهم غضبًا يكشف لنا السيناريو أنه يدين من خلاله ابنه هو شخصيا الذى يبدو أنه كان عاقًا به، حتى شهادة الشهود تم تفنيدها خاصة شهادة الرجل العجوز الذى قال إنه سمع الخناقة بين الأب وابنه فقال عجوز المحلفين إن الرجل ربما اراد فقط ان يلفت النظر إليه، حيث إنه قضى 75 سنة من عمره مجهولًا لا يشعر بقيمته ولا يعرفه أحد حتى جاءته هذه الفرصة ليكون محط أنظار الصحف والمجلات والرأى العام الأمريكى كله.
لمسنى الفيلم بشكل شخصى، حيث إننى مع الأسف ممكن يتحكم فيهم الغضب فى كثير من الأحيان، وربما لو تريثت قليلاً، كما فعل هؤلاء المحلفون، لحكمت بالبراءة على كثير ممن سبق ان حكمت بإدانتهم، وربما لو تريثت أكثر لوجدت أن الجميع أبرياء وأننى الجانى الوحيد فى حق نفسي!