خارج السطر
كان اسمه سوار الذهب
بِوَلهٍ حقيقىٍّ أتحسس أخبارها، وبحنين جارف أتذكر وجوهَ أصدقاء ومعارفَ مَدّ الأدبُ والإبداعُ جسورَ تلاقٍ بيننا.
تخترق السودان ثنايا القلب، وتتمدد فيه بذكريات ومواقف وتاريخ مشترك يدفعنا أن نشعر بالأسى لكل نقطة دم تُراق فى سبيل السلطة.
أتذكر جيداً لقائى قبل نحو عقد ونصف بأعظم سودانى عرفته، كونه شخصاً استثنائياً لا يتكرر، ليس فى السودان وحدها، وإنما فى العالم العربى كله من المحيط إلى الخليج، وهو عبدالرحمن سوار الذهب.
رجل تعرفه قبل أن تعرفه، تصفو روحك له، تشتاق للجلوس إليه، تختبر صدق كلماته فى عقلك وروحك، وتتأمل نقاء تعبيراته، لتدرك أنه ما زال هناك نقاء حقيقى على هذه الأرض.
ينغرس اسم سوار الذهب فى ذاكرتى وتلتصق ملامحه فى قلبى حيث كان لى معه أغرب لقاء صحفى مر بى فى عمرى المهنى.
فى شتاء 2007 كُنت فى العاصمة السودانية فى مهمة عمل صحفية، وطلبت من السفير محمد عبدالمنعم الشاذلى سفير مصر الأسبق هناك التوسط لى للقاء المشير عبدالرحمن سوار الذهب، وتفضل مشكوراً بالاتصال به وتحديد موعد.
أول الدهشة بالنسبة لى كانت فى تحديد مكان اللقاء بمسجد بضواحى العاصمة السودانية. وكان الموعد، بعد صلاة العصر حيث لا صلوات تطوع أو سنن. ثانى ما أدهشنى أن الرجل بلا حراس ولا مرافقين، ويقف فى الصف الأول بسبب حضوره مبكراً لا لمكانته وشهرته.
خلفه، صليت متفكراً كيف طلّق هذا الرجل سحر السلطة حين أتته على طبق ذهبى، واختار أن يُلقى الكرة فى ملعب الشعب تختار مَن تريد بشرط ألا يكون هو مرشحاً للاختيار؟
صافحته بابتسامة مودة، وجلسنا فى أحد الأركان نتحدث بهدوء بعد انصراف المصلين.
فى ذهنى دارت تجربته عندما كان وزيراً للدفاع فى السودان الشقيق، وقامت انتفاضة شعبية ضد الرئيس جعفر نميرى عقب سفره خارج البلاد، ووقف الجيش السودانى إلى جانب الناس، ورفض عودة نميرى، مقرراً الإطاحة به وتسلم الرجل السلطة لمدة عام واحد تعهد فيه بتسليم الحكم للشعب خلال سنة ووفى بتعهده.
سألته كيف لم تُغره السلطة، وقد أغرت نساكاً وأنقياء وحولتهم إلى جبابرة؟ فأجاب بأن يقينه بزوال كل ما على الأرض دفعه دفعاً إلى الوفاء بعهده والانتصار للناس.
قُلت له: ماذا لو كان الناس يريدونك؟ فقال إن وسيلة الناس للاختيار هى الانتخابات، وأنا لا يُمكن أن أُسلم البلاد للشعب وأكون أحد خيارتهم.
«وفيت بما وعدت. وصُنت البلد فى وضع صعب. وغادرت عندما كان لا بد أن أغادر».
لمحت زهداً فى عينيه ورضا تاماً وهو يعرج بالحديث عن مصر وعظمتها وجمالها وطيبة ناسها، ثم يرجونى بصدق ألا أنشر حوارى معه، حيث اختار التصوف والبعد عن الأضواء تماماً راضياً بما حقق، رانياً نحو حياة أخرى فى مكان آخر تدوم.
طلبت أن أصوره، فأبى راجياً بأدب جم أن يبقى حديثنا كرجلين ارتاحا للحديث معاً، لا كصحفى ومسئول. «لست مسئولاً عن شىء، لكننا جميعاً مسئولون أمام الله فى يوم قريب». هكذا قال لى وهو يُكرر بأنه سعيد باللقاء الإنسانى وأنه يرجو عدم النشر.
عانقته وأنا سعيد برجل يعيش بكيانه فى الآخرة. يرنو إليها كأنه يراها. يضعها فى كل حساباته حتى حساب ظهوره فى حوار صحفى بمظهر جميل قد يحمل شبهة الرياء فى العمل.
فى وصيته المكتوبة رجا أن يُدفن بالبقيع بمدينة رسول الله. وأجاب العاهل السعودى رجاءه. ودُفن هناك. فاللهم ارحمه.