بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

المسألة السودانية

بكل المعايير الجيوسياسية تظل السودان امتدادًا طبيعيًا للأمن القومى المصرى، وأن ما يحدث فى السودان فى أى وقت وتحت أى ظرف من الظروف يهم بالدرجة الأولى مصر. الحسابات فى التعامل مع الشأن السودانى ستبدو للبعض معقدة للغاية خاصة مع التطورات الأخيرة التى وصلت فيها الأمور إلى حد المواجهة العسكرية بين الجيش الوطنى السودانى وما يعرف بقوات الدعم السريع.

الانسحاب السريع للبعثات الدبلوماسية الأجنبية من السودان، خاصة للدول الكبرى والفاعلة عالميًا ما يعطى مؤشرًا سلبيًا لاحتماليات استمرار تدهور الأوضاع فى هذا البلد العزيز على كل مصرى. ولاشك أن الطريقة والعجلة فى الخروج من السودان لهذه البعثات يترك انطباعًا بأن قوى دولية وإقليمية تجهز السودان كمسرح للاقتتال ربما لسنوات، وبعدها لن يكون السودان هو الذى نعرفه قبل هذا الصراع. من الحكمة أن يدرك السودانيون قبل غيرهم أن التدخلات الدولية والتى ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب لا تهدف لخيرهم، وربما يتكرر نفس السيناريو الذى حدث بدول أخرى تم تفتيتها، وعند جمع الفتات يتم ترتيب كل شىء لصالح هذه القوى، خاصة ما يتعلق باستغلال ثروات هذا البلد أو ذاك، وتمكين بعض القوى من السودان بلدا ومستقبلا.

منذ منتصف الخمسينيات من القرن الماضى وتحديدا عقب استقلال السودان 1956 تكررت الانقلابات فى هذا البلد بدءا من انقلاب إسماعيل كبيدة عام 1957 ضد أول حكومة وطنية والذى أحبطه رئيس الحكومة آنذاك إسماعيل الأزهرى. توالت الانقلابات والقلاقل أعوام 1958 – 1964 – 1971 – 1973 – 1975 – 1976 – 1985 – 1989 – 1990 – 1992 – 2019 – 2021، مما أدى إلى إنهاك السودان كبلد وكيان سياسى تظل أهميته الكبرى فى وضعيته الجيوسياسية بالإقليم كدولة تعتبر ثالث أكبر دولة عربيًا وأفريقيًا من حيث المساحة «مليون و861 ألف كلم مربع» وكانت الأكبر قبل انفصال الجنوب عام 2011.

الحفاظ على وحدة السودان والجيش الوطنى السودانى يجب أن يظلا الهدف الأكبر الذى لا تحيد عنه القوى الوطنية فى هذا البلد، ومن المهم أن يتيقظ الجميع لطبيعة العلاقات الدولية المعقدة اليوم والتى تجعل بعض القوى الدولية الفاعلة لا تتردد فى تقطيع أوصال كيانات سياسية من أجل مصالح تتصل بنفوذ ومصالح هذه الدول، وتصب لصالح حلفائها بالمنطقة.. مثلاً عندما نتابع تصريحات الخارجية الإسرائيلية بالتوسط بين الفرقاء بالسودان وأن وساطة إسرائيل قطعت شوطًا جيدًا بهدف استضافة الفرقاء ومساعدتهم على التوصل لحلول – هذا الذى يصدر عن إسرائيل تعبير فج عن مسرح عبثى يرفع فيه القاتل شعارات الفضيلة، ويدعى فيه اللصوص أحقيتهم فى سن القوانين التى تمنع السرقة..

وإذا كانت الأحداث الدامية فى السودان لاتزال فى بدايتها، فإن التاريخ قد ترك لنا أحكامه وحكمته بأن أى حرب معروف متى بدأت ولكن متى تنتهى - يظل سؤالاً مفتوحًا بلا إجابات محددة.. لن ينقذ السودان إلا إرادة السودانيين الشرفاء الذى يدركون مبكرا أن الاقتتال الجارى على الأرض الآن سيتوقف بقرارهم، وسيستمر برغبة الآخرين من خارج السودان.. أى استمرار الاقتتال فى السودان سيظل يؤكد نجاعة الخطط الشيطانية للقوى الخارجية فى استمرار الحرائق بالاشتعال.. نحن فى عالم يعاد فيه تشكل القوى ونفوذها، ما يحدث فى أوكرانيا واليوم فى السودان وغدًا فى مكان جديد يمثل إرهاصات لمواجهات بين القوى الكبرى على النفوذ والسيطرة ونهب ثروات بلدان تأخرت كثيرًا عن إدراك التقدم والاستقرار وبناء علاقات قوية مع عالم جديد، حتى أشرس المغتصبين به لا يحترمون إلا الأقوياء.

ما يحدث بالسودان ليس حريقًا داخليًا، لأن النيران لا تحترم الحدود وتمتد بألسنة لهبها العسكرية والاقتصادية ومآسيها الإنسانية إلى الفضاءات المجاورة لها.. مصر من أهم وأكبر الدول بالإقليم التى يجب أن تتعامل بحكمة ويقظة وعقل مع كل ما يحدث فى السودان انطلاقًا من المصالح القومية العليا، وأيضاً انطلاقًا من الروابط التاريخية مع بلد شقيق وشعب عزيز علينا.