بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كاريزما

عبدالفتاح الجمل

لم أعرف خلال حياتى الأدبية رجلا بمثل عطائه وتشجيعه للأجيال الشابة. عبدالفتاح الجمل- كان لى حظ كبير أن اتعامل معه واتعلم من خبرته.. نشر لى قصائد كثيرة وقصصا قصيرة. وكان لاذعا فى نقده إلى درجة القسوة، لدرجة اننى أقسمت الا اعود إلى مكتبه بجريدة المساء مرة اخرى- بعد أن قدمت له مجموعة قصائد وظل يحللها ويفحصها أمام تلاميذه الحضور وأحسست بخجل شديد وانصرفت بهدوء غاضبا- وكانت المفاجأة حين أبلغنى صديق أن اقرأ الملحق الأدبى بجريدة المساء.. وإذ به ينشر خمس قصائد لى بصورة مشرفة مع رسومات مرافقة جميلة.. ومن بين القصائد الخمس قصيدة بعنوان (سماوات تهرب من الالهة) كتب عنها تعليقا ونقدا للشاعر الصديق الراحل الدكتور وليد منير. كان هذا اليوم بالنسبة لى يوم عيد واشتريت كما كبيرا من نسخ المساء لأهديها لأصدقائى، وعدت سعيدا إلى مكتب أستاذى عبدالفتاح الجمل ليصبح صديقا مخلصا امينا. وفى احد اللقاءات سمح لنا نحن المجتمعين عنده أن ننتقد كتاباته كما ينتقدنا هو، وكان من حظى أن اكون آخر من يتحدث ووسط فتور الموجودين- فقد كنت أصغرهم سنا ومكانة- وبدأت أتحدث عن روايته (الخوف) وكنت قد أعددت مقالا لاذعا عن الرواية وبدأت فى سرد ما كتبته الذى اذهل الحضور وضحك الجمل وقال: يبدو أنك تنتقم منى فى هذا النقد.

كان عبدالفتاح الجمل معطاء وكانت سخريته جزءا من صقل موهبتنا. ترك الجمل روايات وقصصا قصيرة اهمها الخوف وامون وطواحين الصمت ووقائع عام الفيل وحكايات شعبية من مصر.

تمكن عبدالفتاح الجمل من قلب القارئ وعقله، فقد أدت تقنيات الكاتب وظيفة مزدوجة، مرة من الدخول بعمق فى خفايا شخصياته بأسلوب سيكولوجى واعٍ يسعى لرسم بانوراما حسيه للأحداث وتطور أعمالها، ومن جهة أخرى تحس أن ابداعاته شكل من اشكال السيرة الذاتية؛ فهو يكتب كأنه يقوم بتشريح نفسه لقد فجر خرائط شخصياته انطلاقا من مؤشر التطورات الخارجية، مثل الحياة الاجتماعية لأبطاله وطرق تنشئتهم والبيئة المحيطة بهم ودلالات نموهم من خلال أساليب مختلفة.

ومات الجمل عام ١٩٩٤ عن عمر سبعين عاما. اليوم نحتفل بصدور مجلد مهم صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة يضم اعماله مع مقدمه لعائشة المراغى. وهى دراسة مكثفة عن الجمل وعن أهم أعماله، إلى جانب عن تاريخه الأدبى والثقافى والصحفى. وأتمنى أن يصدر لاحقا مجلد لبقية ابداعاته، كما أتمنى أن تنشر مقالاته فى مجلد فهى لا تقل ابداعا وجمالا عن رواياته، خاصة أن شهد بذلك الكبار أمثال خالد محيى الدين ومحمود امين العالم الذى أصر على اختطافه من جريدة المساء ليعمل معه تحت رئاسته وقت أن كان رئيسا لمجلس إدارة أخبار اليوم، لولا أنه لم يستطع الاستمرار هناك فقد احس بغربة وأحقاد من كتاب الأخبار وعاد شامخا إلى بيته «جريدة المساء».

[email protected]