بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

أنت أفضل رغم هزائمك

لا تلعن حظك، ولا تغضب لحدث يُهمك، فأنت لا تدرى ما وراءه. تذكر أن ما نعيشه هو الأفضل لأن مَن قدره يعلم ونحن لا نعلم.

 كثيرة هى اللحظات التى نظن فيها أننا انهزمنا، سقطنا، انسحقنا على الأرض، ثم نكتشف لاحقا أن ما ظنناه هزيمة كان أفضل ما حدث.

فى سيرة تشارلى شابلن البديعة التى ترجمها أول مرة صلاح حافظ، ثُم توالت الترجمات لها لروعتها سرد إنسانى جميل لما قاساه الولد البائس الفقير من حرمان وفاقة فى أيامه الأولى. كان والد تشارلى قد هجر والدته والتى كافحت بالعمل كومبارس غناء فى بعض المسرحيات لتوفر له ولشقيقه بضعة قروش لتفى بالحدود الدُنيا للحياة. لكن فى يوم وليلة جاءت الضربة القاصمة عندما انحبس صوت أمه فلم تستطع الغناء، وهو ما أوصد الباب الوحيد المفتوح للرزق لدى الأسرة المحرومة وتحولت حياتهم إلى جحيم. فجأة فكر مخرج المسرحية فى إمكانية استبدال صوت الأم المنحبس بصوت ابنها الصبى الصغير تشارلى، ونجح الأمر نجاحا مذهلا، وانتبه الناس لحركات الطفل المضحكة، ثم ما لبث أن صار ممثلا، ثم نجما، ثم مليونيرا عظيما. لم يكن انحباس صوت الأم نهاية الكون، ولو لم ينحبس ربما ما عرفنا موهوبا نادرا مثل تشارلى شابلن.

 عندما أنهى الطالب نجيب محفوظ دراسته الجامعية، سنة 1934 بكلية الآداب قسم الفلسفة، بجامعة فؤاد الأول، كان ترتيبه الثانى على دفعته، وكان يتوقع، بحكم تفوقه، أن يتم تعيينه معيدا بالجامعة. كان القدر يُخبئ للعقل الفذ أمرا آخر، فقام بعض المتعصبين فى مجلس كلية الآداب وقتها بإلغاء تعيينه معيدا متصورين من اسمه أنه مسيحى الديانة، وهو ما سبب له صدمة كبيرة، أشعرته بقسوة الحياة وخفوت الأمل. لكن كل ذلك دفعه أن يتفرغ للكتابة ويُبدع بدأب وأناة وصبر ليصبح روائيا عالميا، ويحوز جائزة نوبل فى الآداب ليكون العربى الوحيد الذى يفوز بها فى الأدب. ولنا أن نتصور ما كان سيؤول إليه حال نجيب محفوظ لو عُين سنة 1934 أستاذا جامعيا!

فى سيرة الرئيس الأسبق أنور السادات عظات وعبر كثيرة، فقد فُصل الرجل من الخدمة العسكرية بسبب نشاطه السياسى والحركى فى العصر الملكى، والتحق بمهن غريبة سعيا للعيش، فعمل مقاولا وتاجرا وتعرض للاحتيال من أحد أصدقائه الذى أخذ مكاسبهما وفر. وقطعًا كانت الضربة موجعة للسادات، وجعلته يضيق ذرعًا بالعمل الحر، ورأى أن أفضل شئ له هو أن يقبل وساطة البعض ليعود للجيش رغم أن ذلك لم يكن الاختيار الأفضل وقتها. تخيلوا لو لم يخدعه صديقه وينهب ما كسبه، لبقى فى أعمال المقاولات، ولما شارك فى ثورة يوليو، ثُم صعد سياسيا حتى صار رئيسا لمصر، ثم اقترن اسمه بالنصر الوحيد فى تاريخ العسكرية الحديث فى 6 أكتوبر.

إننا لا ندرك ما وراء كل أمر يحدث، كثيرا ما نلعن الظروف، ونتشبث بالقليل، ولا ندرك أن الله له تصاريف أخرى أفضل وأعظم وأرقى.

فاللهم دبر لنا، فنحن نجهل وأنت الأعلم.

 

[email protected]