رؤية
طارق حجى .. وطاعون العصر
لاشك أننا نعيش مرحلة نحتاج فيها إلى المزيد من رسائل التنوير العاقلة والمتزنة والداعمة لتجاوز آثار هجمات تتارية ظلامية شديدة الوقع باتت تداهمنا.. هجمات متتالية مدعومة من الخارج والداخل فكريًا وماليًا ودعائيًا وسياسيًا من جانب أصحاب مصالح، لهم فى مصرنا أطماع بالية تشاركوا معًا فى الإضرار بالبشر والفكر الإنسانى الحر بضراوة وانعدام للضمائر..
ولعل جريدتنا الرائعة «الوفد» كانت إحدى منصات الفكر التنويرى وواحة الأقلام الداعمة له، عبر نشر والترويج لإبداعات أهل الإصلاح والتنوير..
ولعل من أهم أصحاب رسالات التنوير عبر العقود الأخيرة الكاتب والمفكر «د. طارق حجى» الحقوقى الإكاديمى والإدارى والممارس (وصل بكفاءة إلى منصب مدير شركة شل العالمية فى منطقتنا) والأهم هو صاحب الإصدارات الفكرية المهمة والرائعة المترجمة لأهم اللغات العالمية ..
لرؤاه وكتاباته بعض الركائز لعل أهمها:
• الإيمان بأن التقدم «ظاهرة إنسانية» قبل أية صفة أخرى.
• أن «التعددية» هى أروع حقائق الحياة.
• أن التعصب الدينى والقومى والوطنى والعرقى والأيديولوجى كلها ظواهر «ضد التقدم» و«ضد الإنسانية».
< «الغيرية»="" هى="" من="" أهم="" القيم="" الإنسانية="" فى="" عصر="" «ما="" بعد="">
• «عالمية المعرفة» و«عالمية العلم» هما من أهم معالم التطور المعاصر للإنسانية.
• الديموقراطية (وما يواكبها من حقوق الإنسان وحقوق المرأة والحريات العامة) هى من أهم منجزات القرنين الماضيين قبل (وأهم من) كل إنجازات العلوم التطبيقية.
• الأديان هى شأن خاص لا علاقة لها إطلاقاً بإدارة المجتمعات والحياة.
وعليه، كان انتظار القارئ العربى و المصرى لإصدارات «حجى» فى تلك الفترة التى ينبغى فيها استثمار وجود قيادة سياسة داعمة لرسالات الفكر التنويرى.. وأستأذن قارئ جريدتنا الغراء فى عرض بعض أفكار ورؤى إصداره الأحدث «الطاعون»..
يعرض المفكر «طارق حجى» فى كتابه «الطاعون.. قراءة فى فكر الإرهاب المتأسلم» الفكر الذى يشكل مرجعية جماعات الإسلام السياسى التى تقف وراء موجة العمليات الإرهابية فى العالم خلال نصف القرن الأخير وأهمها الوهابية والإخوان والسلفية والقاعدة وداعش والنصرة وبوكو حرام..
وتؤكد فصول الكتاب أنها فروع لشجرة واحدة ذات جذرين هما الوهابية والإخوان، مؤكدًا أنه «بينما يوجد ملايين المسلمين المسالمين والمعتدلين فإن كل أتباع الإسلام السياسى هم إرهابيون أو القاعدة التى تفرز الإرهابيين..
وحول عقلية تلك الجماعات يقول «مما لا شك فيه أن عقلية الإسلام السياسى تقوم على ركائز من أهمها عدم الإيمان بالأوطان بالمعنى الحديث، إنما الإيمان بالأمة الإسلامية، وأشهر المقولات المتعلقة بهذه الجزئية هى مقولة سيد قطب الشهيرة «الوطن هو حفنة تراب عفن «ففكرة الوطن وبلدنا مصر لا وجود لها فى العقيدة الإسلامية السياسية..»..
ويدعونا الكاتب ألا ننسى أن مهدى عاكف عندما كان المرشد العام للتنظيم قال فى كلمتين ما يلخص موقف الإخوان من مصر «طز فى مصر» ومهدى عاكف هو أيضًا من قال إنه يقبل أن يرأس مصر مسلم من باكستان ولا يقبل أن يرأس مصر قبطى..
ويؤكد فى مقدمة كتابه أن وضع غير المسلمين بوجه عام والمسيحيين بوجه خاص فى أى مجتمع يحكمه الإخوان لا يمكن أن يكون وضعًا عاديًاً، ولا أدل على ذلك مما حدث للكثير من المسيحيين فى العراق وسوريا وفلسطين والأردن مع مجرد اتساع المد الفكرى للإخوان، فالعراق الذى كان حاضنًا لمعظم الطوائف والمذاهب المسيحية الشرقية شبه خال من المسيحيين وسيبقى عقل الإخوانى فيما يتعلق بالمسيحى بأهل الذمة وأوضاعهم فى أمة إسلامية لا تحتمل المواطنة، وربما يكون من المفيد جداً هنا، أن نقارن بين أوضاع الأقليات فى الهند وأوضاع الأقليات فى باكستان، فبينما يتعرض غير المسلمين فى باكستان لأشكال عديدة من العنف والعدوان فإن العكس صحيح فى الهند..
وأكد كاتب «الطاعون» أن مفهوم التعددية مترسخ بقوة فى ثقافة وعقلية المجتمعات المتقدمة، حيث ينظر إليه على أنه أحد المحركات الرئيسية للتقدم ومطلب للنهوض بالإنسان والمجتمعات التى لا تؤمن بالتعددية والتى لا يتجه مناخها الثقافى العام إلى قبول نتائجها لا يمكن أن تمضى قدمًا..
ومثلما دقت الماركسية ناقوس الموت المتمثل فى التعددية، فإن كل النظم السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية التى وضعتها كانت تقوم على سحق التعددية أيًا كانت ومن لم يمتثل لمبادئها الأساسية، لذا فإن الإسلام السياسى هو الآخر بشكل أساسى ضد التعددية، حتى لو زعم الإسلاميون خلاف ذلك، بالنسبة للإسلامى الذى يعتقد أن أيديولوجيته هى الحقيقة المطلقة، فإن أى انشقاق هو أمر بغيض يتعارض مع كلمة الله نفسه، الواقع أن الإسلاميين يقحمون الله فى جميع المجالات الدستورية والقانونية والسياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية حتى العلمية، ومن الأمثلة على ذلك نظرية التطور التى أدانها الإسلاميون على نحو تدريجى باعتبارها تدنيسًا للدين..
ويخلص الكاتب إلى أن قبول الآخر هو الثمرة الجدلية للتعددية، فبالنسبة للمؤمن بالتعددية، تعتمد الحياة بالنسبة له على التنوع فى جميع المجالات والنظم والأفكار والمبادئ، يستلزم هذا قبول الآخر بغض النظر عن الشكل الذى يأخذه الآخرون..
ويضيف «حجى» أنه من المؤكد أنهم سيقولون أيضًا إنه لا يمكن لأى من النساء أو النساء غير المسلمات أن يصبحوا رؤساء دول، سيقول من يعتقد ذلك إنه يؤمن بحرية العقيدة ولكنه سيحدد ما يعتقده الآخرون فى مصر اليوم ..
فى سطور الإهداء كتب «حجى»: «الدين» مطلق، والسياسة «نسبية»، وكل من يريد أن يخلط بين المطلق والنسبى يصل به إلى خلطه لمنتج ضد العقل وضد العلم وضد الإنسانية وضد مسيرة التقدم..