من عمّان..
كنت فى زيارة خاصة وقصيرة للعاصمة الأردنية عمّان، حيث تقيم ابنتى المتزوجة من شاب أردنى.. آخر مرة زرت فيها عمان زيارة عمل كانت عام 2009. تقع المدينة فى وسط المملكة الأردنية الهاشمية فى منطقة تكثر فيها الجبال، وبالأساس نشأت المدينة فى الوديان بين سلاسل جبلية متموجة، وعندما ضاقت على سكانها، فارتقوا سفوحها واستمروا فى الاتساع عبر قممها حتى امتدت المدينة بأطرافها فوق 20 قمة جبلية. تصنف عمّان ضمن أقدم مدن العالم المأهولة بالسكان، أو التى لم تفرغ من ساكنيها يومًا، وحسب مصادر تاريخية متعددة فإن مدينة عمّان أقيمت على أنقاض مدينة عرفت باسم «ربّة عمّون»، وجاء اسم عمان بعد ذلك اشتقاقًا من «ربة عمّون»، واتخذها العمونيون عاصمة لهم. وقد أُنشئت المدينة فى البدء فوق سبعة تلال.
عمان الحديثة مدينة لم تفقد عطر التاريخ الذى يفوح من أماكن كثيرة، إلا أن أهم ما استوقفنى كان الشباب الأردنى الذى وفق الكثير من التقارير سواء الأردنية أو من منظمات ومؤسسات دولية يتحصل على مستوى راق من التعليم، والكثير من الجامعات الأردنية تظهر فى التصنيفات الدولية ضمن قوائم الأفضل.. فى ليلة رمضانية، وداخل مسرح مدرج شبيه بالمسارح الرومانية القديمة رغم وجوده داخل مركز تجارى عصرى جدًا – وجدتنى مشدودًا لقضاء بعض الوقت للاستماع لفرقة موسيقية مكونة من خمسة من العازفين الأردنيين الشباب، وكان الوقت بعد صلاة التراويح. امتلأ المسرح تقريبًا بجمهور هو الآخر معظمه من الشباب – باستثناء قلة من الشيوخ والعواجيز أمثالى – وبدأت الفرقة بالعزف. اللحن الذى تغنى معه الحضور وكأنه لمطربة شابة كان لأغنية «ألف ليلة وليلة» التى تغنت بها كوكب الشرق السيدة أم كلثوم. شعرت بسعادة غامرة ليس لكون العازفين اختاروا عملًا للست ولكن مصدر فرحى وإعجابى كان لتفاعل الجمهور والمكون معظمه تقريبًا من الشباب الأردنى مع الموسيقى بالغناء وترديد كلمات الأغنية التى تغنت بها كوكب الشرق لأول مرة يوم 6 فبراير عام 1969.. وبعد وصلة موسيقى ألف ليلة وليلة، شاهدت شابًا أردنيًا دون الثلاثين عامًا، يتقدم فريق العازفين، مرتديًا ملابس شبابية عصرية جدًا.. قلت لنفسى: كويس سمعنا معزوفة لأغنية للست، ومن حق الشباب يغنوا لعصرهم وبمزاج عصرهم، وكانت المفاجأة الثانية أن هذا الشاب الجميل بدأ وصلته بقصيدة «مضناك جفاه مرقده» لموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب والكلمات كما نعلم لأمير الشعراء أحمد شوقى، والتى حاكى فيها قصيدة الشاعر التونسى الأندلسى – الحصرى القيروانى 1029–1095 والتى يقول مطلعها «ياليل الصب متى غده أقيام الساعة موعده».
تغنى المطرب الأردنى الشاب بـ مضناك، وكان مبدعًا وجميلًا، والأهم أن جمهور الحاضرين من شباب قد تختلف أذواقهم عن أجيال سبقتهم – كانوا فيما بدا لى لديهم القدرة على الاستمتاع بالقديم، بقدر حماسهم للجديد..
على ما يبدو لى فإن المكنون داخل عقول ونفوس الشعوب العربية – وخاصة الشباب– يحتاج للكثير من البحث والدراسة من قبل كافة المؤسسات حكومية أو خاصة.. الناس ستظل الثروة الحقيقية للدول، ولو تدرك كل أنظمة الحكم فى بلادنا العربية أن الاستثمار فى البشر سيظل الرهان الأفضل، لما تردد أحد فى ذلك دون خوف أو توجس، من أن الارتقاء بالوعى غير محمود العواقب.. الحقيقة أن الجهل بالواقع أو الإصرار على تجهيل الحاضر بشرًا وحجرًا، هو العدو الأكبر الذى سيظل يعطل أى إرادة نحو التطور الحقيقى.. ذكرت ما ذكرت عن لقطات عابرة خلال زيارتى للبلد الشقيق والعزيز الأردن، وإن وصفتها بالعابرة، فليس لأنها خواطر ذهبت مع الريح التى أتت بها، ولكنها استقرت بالوجدان لتذكر دائمًا بأن هناك فى عقول ونفوس وخيالات الناس ما يستحق منا الكثير من الاهتمام..