أرفض رحلة «التابوت» إلى فرنسا
بموافقة استثنائية من الحكومة المصرية، سافر تابوت الملك رمسيس الثانى إلى باريس، ليتم عرضه بين 180 قطعة أثرية فى قاعة «لافيت» اعتبارًا من 7 أبريل، وجاءت تلك الموافقة الاستثنائية تقديرًا لدور فرنسا فى ترميم مومياء الملك رمسيس الثانى عام 1976، بعد إصابته بالفطريات، ونحن هنا نسجل اعتراضنا لهذه الإعارة الاستثنائية، التى وصفها عدد من علماء المصريات بأنها حدث استثنائي ونادر جدا، ووصفها «دومينيك فارو» الأستاذ فى كلية متحف اللوفر بالحلم، بعد توقعاته برفض المجلس الأعلى للآثار إرسال ذلك التابوت الهام جدا، لكنهم قالوا نعم!!.. وإليكم الحكاية وأسباب الرفض.
- فى 23 مارس 1988 بدأت جريدة «الوفد» فى نشر عدد من التحقيقات الصحفية تحت عنوان «لغز فرعون الخروج وماذا فعل اليهود بملك الملوك»، تناولت فيها رحلة خروج الملك رمسيس الثانى من مصر 1976، استعرضت الحلقة الأولى طلب الرئيس الفرنسى «ديستان» وقتها من السادات تقديم مومياء الملك فى عرض مسرحى مبهر فى باريس، ووافق السادات رغم معارضة هيئة الآثار المصرية التى رأت فى هذه العملية إهانة كبيرة لأشهر فراعنة مصر، واستخفافًا به وإسقاطًا لهيبة ملك حكم مصر 67 عاماً.
- يروى الدكتور «جمال مختار» رئيس هيئة الآثار وقتها فى تلك الحلقات تفاصيل ذلك الخروج، ويقول: فوجئنا بالفرنسيين يطلبون أخذ مومياء رمسيس الثانى لعرضها فى ختام معرض يحتوى على 52 قطعة أثرية، وأن دخل هذا المعرض سيتم تخصيصه لإنقاذ مقبرة «نفرتارى» زوجة رمسيس الثانى، وتم رفض هذا الطلب.
- الغريب هو رد الرئيس الفرنسى «ديستان» أثناء زيارته للمتحف المصرى، وكان على علم برفض هيئة الآثار لطلبه، عندما قال له الدكتور «مختار» هل ترضون سيادة الرئيس أن نأخذ منكم تابوتًا أو حتى غطاء تابوت «نابليون بونابرت» لنعرضه هنا فى مصر، هل توافقون؟، وكان رد «ديستان» مجافيًا للذوق- على حد تعبير الرجل- وقال: أولًا أنت تتكلم عن واحد مات من 150 سنة ونحن نتكلم عن واحد مات من 3 آلاف سنة وأكثر!!، أنتم فى مصر تعتبرون رمسيس الثانى مجرد أثر وتعرضونه على الناس بطريقة عادية، أما نحن عندما نعرضه فسوف يكون بشكل أفضل، يقول «مختار»: لم تعجبنى كلمات «ديستان».
- أشارت الحلقة الثانية يوم 29 مارس 1988، إلى طبيب يدعى «بوكاى»، وهو مستشرق فرنسى، يهودى من أصل مغربى، وجاء إلى مصر ليعالج محمود أبووافية «عديل» السادات، وطلب زيارة المومياء، واكتشف إصابتها بالفطريات، ذلك الطبيب هو من أعلن عبر الصحف الفرنسية بأن المومياء فى خطر، وأن الفطريات تغزو جثة الفرعون وتهددها بالتحلل، هذا ما أكده الدكتور «جمال مختار»، والدكتور شوقى نخلة المدير العام لصيانة وترميم الآثار الذى رافق رمسيس الثانى فى رحلة العلاج.
- الأخطر.. أنه بعد سفر المومياء إلى فرنسا، تساءلت الصحف العالمية لأول مرة: هل كان الفرعون مريضاً حقاً، أم أن المرض كانت حيلة يهودية لإخراج الملك رمسيس الثانى من مصر، ووضعه تحت الفحص؟!، وكانت صحيفة «الهيرالد تريبيون» الأمريكية من فجرت السؤال، وأكدت أن حكاية المرض غير صحيحة!!
- والأعجب.. ما فعله التليفزيون الفرنسى وظهور المذيع مبتسمًا ليعلن للمشاهدين عن حدث تاريخى لمدة 20 دقيقة ويقول: «إليكم فرعون مصر الشهير، إليكم رمسيس الثانى، إليكم الفرعون الذى طارد اليهود واضطهد بنى إسرائيل، هو الآن أمامكم انظروا وشاهدوا»، ليظهر بعدها فرعون مصر عاريًا تمامًا من لفائفه أمام العالم!!، كما أشارت وكالات أنباء عالمية إلى زيارة «موشى ديان» إلى الفرعون المصرى وقالت إنه لم يسلم من لسان «ديان»!!
- بعد كل هذه التفاصيل التى ذكرناها والتى لم تستوعب المساحة غيرها، كيف يوافق مجلس الوزراء على تلك الرحلة الاستثنائية لتابوت رمسيس الثانى إلى البلد التى عرضته عاريًا من قبل، كيف تتم الموافقة على تلك الرحلة مرة أخرى بعد سرقة خصلات شعر من رأس الملك أثناء الزيارة الأولى 1976، واستعادت مصر منها خمس عينات وخصلة شعر كبيرة عام 2007، وكان الشخص الذى عرض تلك الخصلات للبيع، هو ابن أحد الأثريين الذين فحصوا المومياء كما تقول التقارير!!
- إذا كانت هذه القصة لا تكفى للرفض، فكيف يمكن أن تتم هذه الموافقة الاستثنائية، بعد كل حملات الرفض الشخصية والشعبية منذ سنوات، لتمثال «شامبليون» وهو يطأ قدمه على رأس «تحتمس الثالث» فى فناء «الكولاج دو فرانس»، ولم تستجب الحكومة الفرنسية لإزالة هذا التمثال أو حتى إخفائه!!
- فى النهاية أخشى أن تتملكنى النوايا السيئة، وأقوم بالربط بين تزامن إقامة المعرض الذى ذهب إليه التابوت، وبين «عيد الفصح» اليهودى يوم 6 أبريل بإحياء ذكرى الخروج من مصر الفرعونية، خاصة أن هناك من يعتقد أن الملك رمسيس الثانى هو فرعون الخروج.
لكل ما سبق أرفض هذه الموافقة الاستثنائية أيًا كانت الدوافع والأسباب أو التفاهمات.